«  الرجوع   طباعة  »

المخطوطات


نقلا عن


دائرة المعارف الكتابية

الموسوعه العربية العالمية

The Encyclopedia of New Testament Textual Criticism

Bruce metzeger the text of the new testament 2 and 4 edition



مخطوطات العهد القديم



أولاً ـ الموقف الحالي : يبدو أن الأبحاث في تاريخ نصوص العهد القديم قد وصلت ـ في أوائل القرن العشرين ـ إلى طريق مسدود في اتجاهين هامين . فمن ناحية نجد أن الدراسة المقارنة التي قام بها كل من "كينيكت "(Kennicott ) و"دي روسي"( D e Rossi ) ونشرها في أواخر القرن الثامن عشر ـ بعد مقارنة مئات المخطوطات ـ أظهرت أن الاختلافات التي بينها قليلة ولا أهمية لها بالنسبة للنصوص العهد القديم، ومن ثمَّ كانت هناك ثقة كاملة بصحة نصوص العهد القديم وأنها لم تتغير منذ مئات السنين .

ومن ناحية أخرى يبدو أنه لم تكن هناك طريقة لتقصي الأمر بكل يقين الى زمن أسبق من تاريخ المخطوطات التي كانت متاحة في ذلك الوقت وكانت ترجع في غالبيتها إلى ما بعد عام 1100م، وكان القليل منها يرجع إلى ما قبل هذا التاريخ، ولكن لم تكن هناك مخطوطة ترجع إلى ما قبل عام 900م، فكان تاريخ النصوص العبرية قبل هذا التاريخ مسألة تخمين إلى حد كبير مع قليل من الأمل في أن يلقي عليها المستقبل ضوءاً أكثر.

ولكن هذا الموقف قد تغير الآن إلى حد بعيد فإن مخطوطات البحر الميت التي بدأ اكتشافها في عام 1947م تعتبر مجموعة ضخمة من مادة غزيرة من الماضي البعيد تلقي ضوءاً ساطعاً على تاريخ نصوص العهد القديم، كما تم أيضاً اكتشاف مادة جديدة، اكتشف بعضها قبل مخطوطات البحر الميت، لكنها لم تدرس من قبل دراسة كافية. فقد قام إبراهيم فيركوفيتش (Virkovitch) في القرن التاسع عشر بجمع عدد ضخم من مخطوطات العهد في مكتبة ليننجراد، ولكن لم يعرف العالم الغربي سوى القليل عن نتائج دراستها، كما اكتشف في خزانة معبد اليهود بالقاهرة (Cairo Geniza) ما يقرب من مائتي ألف قصاصة وقطعة من المخطوطات العبرية والأرامية مختلفة الأشكال، نقلت إلى المتاحف و المكتبات الغربية، ولكن تأخرت دراستها دراسة شاملة.

كما أن هناك مصدراً آخر لمعلومات جديدة لم يكن متاحاً من قبل، وهو مخطوطة العهد القديم التي كانت محفوظة في مجمع السفارديم (الكتبة) في حلب. وكان العلماء - في أوائل القرن العشرين - يعتقدون أن هذه المخطوطة كتبها "هارون بن أشير" أحد علماء اليهود البارزين، ومن ثم فهي تعتبر أهم دليل على سلامة النص الماسوري، إلا أنه لم يكن من الميسور الحصول عليها لدراستها، لأن من كانت في حوزتهم لم يسمحوا لأحد بدراستها أو تصويرها. ولكن بعد احتراق مجمع حلب في مظاهرات 1948م، خُشي أن تكون هذه النسخة - التي لا يمكن أن تعوض - قد تعرضت للضياع أو ذهبت طعمة للنيران، ولكن ظهر فيما بعد أنه قد تم انقاذ ثلاثة أرباعها ونقلت الى أورشليم حيث تدرس الآن بعناية فائقة.

 

ثانياً: مسح موجز لتاريخ النص العبري:

( أ ) الفترة بين كتابة الأسفار المقدسة حتى خراب أورشليم في عام 70م: لم يكن هناك - قبل اكتشاف مخطوطات البحر الميت - مرجع أكيد مباشر سوى ما يمكن تجميعه من مقارنة النصوص بأسفار موسى الخمسة في النسخة السامرية، أو بمقارنتها بالترجمة السبعينية، وهو ما سيتم تناوله تحت عنوان "الترجمات". ويكفينا هنا أن نذكر أننا لا نعالج هنا تاريخاً لكتب عادية بل تاريخ كتب على أكبر قدر من الأهمية، فالمسيحيون يؤمنون أن هذه الكتب كتب مقدسة منذ كتابتها، فقد أوحى الله بها إلى كاتبها وحفظهم من الخطأ فيما كتبوه، وقد اختارهم أناساً ذوي خبرات وخلفيات خاصة وشخصيات قوية تؤهلهم لتدوين ما يريده هو. كما أرشدهم أيضاً إلى ما يكتبون وأعلن لهم الكثير من الحقائق و الأفكار الجديدة، ووجه نشاطهم وعملهم حتى لا يخطئوا في اختيار الكلمات الدقيقة للتعبير عن هذه الحقائق و التعاليم والأحكام. وهذه الكتب - حسب العقيدة المسيحية - قد سلَّمها كَّتابها لشعب اللـه باعتبارها كتباً إلهيه لا بد من المحافظة عليها جيداً ودراستها بعناية.

وهذا ما نجده مسطوراً في أسفار الناموس التي أمر موسى أن يحفظ نسخة منها في قدس الأقداس (تث 26:31)، كما أوجب أن تكون هناك نسخة منها أمام الملك على الدوام ليدرسها بعناية و يسلك بمقتضاها في كل أوجه نشاطه (تث 18:7 و19) .

ونظراً للمكانة السامية المقدسة لهذه الكتب، فلا بد أنها حفظت بعناية فائقة، ولكن ليس معنى ذلك أنه لم يتسرب إلى النصوص أي خطأ، فالكتاب المقدس ظل ينسخ باليد من نسَّاخ مختلفين مراراً بلا عدد على مدى قرون طويلة، ومن المستحيل أن يقوم إنسان بنسخ أي كتاب دون أن يقع منه أي خطأ، فمهما كانت الدقة والمراجعة، لابد أن تفلت بعض الأخطاء وتجد طريقها الى المخطوطات الرسمية التي تحتفظ بها قادة الأمة. ولكن مما لا شك فيه أن هذه النسخ الرسمية التي أُعدت وروجعت بعناية فائقة، تكاد تخلوا من الأخطاء أو لم يتسرب إليها سوى أقل القليل من الأخطاء، ولا بد من وجود بعض الاختلافات بين النسخ المعدة للأفراد والمنتشرة على نطاق واسع في طول البلاد وعرضها. ومع أنه لا يوجد ثمة دليل صريح معاصر، إلا أن اكتشافات خرائب قمران (فيما بين 1947-1956) بالقرب من البحر الميت - حيث وجدت غرفة لحفظ مخطوطات أسفار الكتاب المقدس، وحيث كانت تنسخ هذه المخطوطات باستمرار لأعضاء هذه الجماعة المتنسكة - تبين مدى انتشار الكتب المقدسة في القرون التي سبقت ولادة المسيح مباشرة، ولا بد أنها كانت قد انتشرت على هذا المنوال في القرون السابقة. وكانت هذه النسخ غالية الثمن جداً، فكان غالبية سكان الجهات النائية - بدلاً من السفر إلى أورشليم وتكبدهم للنفقات الباهظة للحصول على نسخة منقولة عن نسخة رسمية - يكتفون بشراء نسخة منقولة عن نسخة محلية، مما كان لا بد معه من تسرب الأخطاء بمرور الوقت، وهكذا نشأت مجموعات (مدارس) مختلفة من المخطوطات، كما حدث مع أسفار العهد الجديد.

لكن فبل اكتشاف مخطوطات وادي القمران، لم يكن هناك أي دليل عبري على حدوث مثل هذه التطورات، ولكن الاختلافات بين النصوص في الترجمة السبعينية والتوراة السامرية، أوضحت احتمال وجود مثل هذه المجموعات (المدارس) من النصوص في الأجزاء المختلفة من البلاد، ومما لاشك فيه أن الأخطاء في النص الرسمي الذي كان محفوظاً في أورشليم، كانت أقل ما يمكن.

(أ‌)   الفترة من خراب أورشليم حتى 900م :ظهرت في تلك الحقبة الأهمية القصوى للأسفار المقدسة، فقد كان من الممكن أن يفقد اليهود هويتهم تماماً بعد تدمير الهيكل وخراب أورشليم، لولا اهتمامهم الشديد بوحدتهم الدينية وبأسفار العهد القديم كأساس لهذه الوحدة. فاجتمعت فرق من الربيين (المعلمين اليهود) في مختلف مناطق فلسطين لدراسة المشاكل المتعلقة بالعهد القديم، وللوصول إلى نتائج يستطيعون الدفاع عنها في علاقاتهم باليهود الآخرين وغيرهم. وكان أحد أهدافهم الأساسية هو المحافظة على سلامة الأسفار المقدسة.

وفي خلال القرون السابقة وخلال شطر كبير من هذه الفترة ، كان يطلق على القائمين بهذا العمل اسم "السوفريم" أي "الكتبة" ثم أطلق عليهم أخيراً اسم "الماسوريين" (masoretes) أي "أساتذة التقليد" .

وقد أكد أكيبا (Akiba) - أحد قادة الربيين في بداية هذه الحقبة أهمية استخدام التقليد "كسور حول الشريعة" لحفظ سلامتها. ولكي يحققوا ذلك، أخذ الكتبة في إحصاء عدد الحروف وعدد الكلمات وعدد الآيات في كل جزء مع تحديد الحرف الأوسط و الكلمة الوسطى في كل جزء أيضاً، وتسجيل كل الملحوظات و الحقائق المرتبطة بهذا الغرض، ولا نعلم سوى القليل جداً عن جهودهم الشاقة في هذا السبيل رغم أن بعض مناقشاتهم مسجلة في التلمود، و الكثير من العلامات التي وضعها الكتبة في مواضع مختلفة من الأسفار وبعض الحواشي قد أدمجت في النسخ الماسورية المتأخرة، رغم أن معاني البعض منها و كذلك الهدف منها كانت قد نسيت في ذلك الوقت.

ولسنا نعلم متى بدأ استخدام لقب "ماسوري". ولكن في نحو 800م أطلق هذا اللقب - بدلاً من لقب "الكتبة" - الذين كرسوا أنفسهم للمحافظة على الأسفار المقدسة. وكانت أمامهم مسائل كثيرة تقتضي المعادلة، ومن أهمها الاهتمام بالنطق السليم للكلمات، وطريقة تلاوتها في أثناء الخدمة، وبخاصة إذا علمنا أنه لم تكن تكتب سوى الحروف الساكنة، ولقد بذلت مجهودات عظيمة في ذلك العمل فيما بين 800، 900م. وقد لقيت النتيجة التي توصلوا إليها قبولاً واسعاً، فحلت محل غالبية المخطوطات السابقة. ونظراً لأنهم (الماسوريين) قد قاموا بعملهم على أكمل وجه، لم يعد يطلق هذا اللقب على أحد فيما بعد ذلك، وأصبح هذا النص العبري يعرف باسم "النص الماسوري".

وأطلق فيما بعد على العلماء الذين اهتموا بدراسة أعمال الماسوريين و المحافظة على سلامة النصوص، لقب "النحويين" أو "المرقمين" (أي واضعي علامات الترقيم). وفي القرون التالية تم نسخ العديد من المخطوطات نقلاً عن النص الماسوري، وهي متناسقة إلى أبعد حد رغم كتابتها في مناطق متباعدة من العالم. ولقد وضع دارسوا العهد القديم والمخطوطات نظريات عديدة عن علاقة النص الماسوري بالنص الأصلي للأسفار، سنعرض لها فيما بعد.

 

ثالثاً: الكتابة بالحروف الساكنة وأهمية الحروف المتحركة:

إن الكتابة تقصر بعض الشيء عن نقل ألفاظ المتحدث ونبراته، فالتعبير الشفوي فيه عدة ملامح لا يمكن تسجيلها كتابة، وقد أدخلت في اللغات الحديثة علامات الترقيم لتعطي فكرة أدق للتعبير عن نبرات صوت المتحدث. وهذه العلامات لم تكن معروفة في اللغة العبرية القديمة، بالإضافة إلى أن للكتابة في اللغات السامية القديمة لم تكن تعبر عن كل الفكرة كما تعبر عنها اللغات الحديثة، نظراً لأنه في غالبية الأحوال لم تكن تكتب من الكلمة سوى الحروف الساكنة (فيما عدا الخط المسماري)، ولم يكن ثمة سوى القليل من الحروف المتحركة، أو لم يكن هناك شيء منها على الإطلاق. ولم يكن هذا عيباً كبيرًا فيها، كما هو الحال في معظم اللغات الحديثة، وذلك لأن جذور الكلمات في اللغة السامية كانت تتكون من حروف ساكنة، ولم تكن وظيفة الحروف المتحركة إلا تسهيل نطق الحروف الساكنة، ونقل فكرة عن صورة الحديث وزمنه وصيغته وأُسلوبه وكل ما يتعلق به، بل حتى اللغات الهندوأوربية لا تصعب قراءتها بدون حروف متحركة.

ولكن الكلمة المكتوبة بالحروف الساكنة فقط ـ بدون حروف متحركة يمكن النطق بها بطرق مختلفة، ولكن من سياق الكلام يمكن أن نتبين نطقها الصحيح.

وبعد السبي البابلي حلت اللغة الأرامية تدريجياً محل اللغة العبرية، حتى صار استعمال العبرية في النهاية قاصراً على الأغراض الدينية والأدبية فقط . واستمر استخدامها في خدمة المجمع، كما كان الناس يقرأون أسفار العهد القديم في بيوتهم بالعبرية. وقد سمع الأطفال ذلك النص مراراً وأصبح هناك ميل إلى الحفاظ على هذا التقليد شفوياً حيث كانت تنطق الحروف المتحركة في مواضع محددة . ومن الطبيعي جداً أن يتغير نطق الحروف الساكنة والمتحركة عبر القرون الطويلة، متأثرة في ذلك باللغة العامية المستخدمة في الحديث، سواء في الأرامية أو اليونانية أو العبرية. وأخيراً تبين لحراس الكتب المقدسة، ضرورة إيجاد طريقة أفضل لإحكام نطق الحروف المتحركة بدلاً من مجرد وجود هذه الحروف أو عدم وجودها ، فاهتدت مراكز العلم اليهودية في بابل، إلى نظام وضع النقط أو بعض العلامات الأخرى فوق حروف معينة لتدل على الحرف المتحرك التالي ونشأ في فلسطين نظام آخر شبيه إلى حد ما بالسابق. ثم نشأ نظام ثالث في طبرية في فلسطين، استبدلت فيه العلامات التي كانت توضع تحت الحروف الساكنة في النظام السابق، بعلامات توضع فوقها،وسرعان ما ساد هذا النظام، واستخدم فيما بعد ذلك في نسخ المخطوطات ثم في طباعة الكتب العبرية.

 

رابعاً: أنواع المخطوطات: هناك نموذجان للمخطوطات العبرية، أولهما كان للاستخدام في المجمع، والثاني للاستخدام الفردي. وكانت مخطوطات المجمع تشمل أحياناً على الأجزاء المختارة من العهد القديم للقراءة في العبادة المنتظمة في المجمع. أما أسفار موسى الخمسة فكانت في مخطوطة واحدة لأنها كانت تقرأ بانتظام كل يوم سبت. ومع القراءة الأسبوعية المنتظمة من أسفار الناموس، أصبح من المعتاد قراءة فقرات مناسبة من القسم الثاني من التوراة العبرية الذي يعرف باسم "هفتاروث" (Haphtaroth) ، سبق إختيارها منذ وقت مبكر. وكانت هذه المختارات تدون أحياناً في درج واحد. فمثلاً سفر أستير الذي يقرأ في عيد الفوريم و الكتب الأربعة الأخرى و التي تقرأ في أعياد معينة، جمعت في أدراج مستقلة عرفت باسم "مجلوت" أي "الأدراج".

ويذكر التلمود القواعد الدقيقة التي كانت تنسخ بموجبها مخطوطات المجمع، التي كانت تكتب على شكل أدراج أو لفائف وليس على شكل الكتب الحديثة، وكانت تستخدم لكتابتها رقوق من جلود حيوانات طاهرة، وكان لابد لكتابة النص بعناية فائقة، باستخدام الحبر الأسود الذي يمكن إزالته، وبدون كتابة حروف متحركة أو علامات التشكيل. ولم يكن الناسخ يكتب حرفاً واحداً دون الرجوع الى الأصل الذي ينقل عنه. أما الكلمات الغربية و النقط الشاذة و الحروف غير العادية في حجمها أو موضعها أو شكلها، فكان يلزم كتابتها بعناية بالغة، وكان يجب أن تراجع المخطوطة في غضون ثلاثين يوماً من كتابتها، وتعدم الصفحة إذا وجد بها أربع أخطاء.

والنسخ المتاحة الآن للدراسة من مخطوطات المجامع قليلة، فلخوفهم عليها من انتهاك قدسيتها، كانوا يعدمونها إذا ما تهرأت من كثرة الاستعمال.

أما النسخ الخاصة بالأفراد سواء للدراسة أو القراءات العائلية، فكانت غالية الثمن لأنها منسوخة باليد. أما علية القوم فكانوا يستأجرون كتبة ممتازين ينسخوا لهم الأدراج ويراجعوها بدقة فائقة. وهناك نسخ تبدو العجلة في كتابتها. وعدد النسخ الخاصة أكبر بكثير من نسخ المجامع، لأن اليهودية كانت تفرض على كل يهودي أن تكون عنده نسخة واحدة - على الأقل - من الشريعة.

وكانت النسخ الخاصة تشتمل على كل العهد القديم أحياناً، ولكنها في أغلب الأحوال كانت تضم جزءاً منها أو سفراً واحداً. ورغم وجود هذه المخطوطات - في بعض الأحيان - على شكل لفائف، لكنها كانت عادة على شكل كتب من مختلف الأحجام. وكانت المخطوطة أحياناً من رقوق أو جلود، ولكنها كانت في الغالب من نسيج من القطن، كما كانت الكتابة عليها بالحبر الأسود وبالحروف المتحركة وعلامات التشكيل. كما كانت حواشيها العليا و السفلى و الجانبية تشتمل على تعليقات "ماسورية" وقراءات مختلفة. ونجد - أحياناً - بجوار النص شرحاً لأحد الربيين البارزين. كما كانت كثيراً ما تشتمل على ترجمة للنص إما بالآرامية (الترجوم) أو بالعربية أو بلغة أخرى. وكانت الحروف الساكنة تكتب أولاً - عادة - أما الحروف المتحركة وعلامات التشكيل فتضاف في مرحلة تالية بمعرفة شخص آخر غير الناسخ الأصلي - في أغلب الأحيان - وبقلم وحبر مختلفين أيضاً.

وكثيراً ما كانت تتداول المخطوطة الواحدة أياد كثيرة في أثناء إعدادها، فواحد يكتب الحروف الساكنة، وثاني يضيف الحروف المتحركة، ثم يأتي ثالث لمراجعتها، ورابع يضيف الحواشي، وخامس يعيد ما انطمس بفعل الزمن أو لكثرة الاستعمال. وكثيراً ما كانت تزخرف الكلمات أو الحروف الأساسية، بالإضافة إلى تزيين الهوامش بصور الأزهار أو الأشجار أو الحيوانات. وكثيراً ما كانت المخطوطة تشتمل في ختامها على حاشية بأسماء من قام بالعمل فيها مع بعض معلومات أخرى عن المخطوطة.

ويعسر كثيراً تحديد عمر المخطوطة العبرية وذلك لأن المخطوطات كانت تنسخ في أماكن عديدة، بالإضافة الى اختلاف شكل الكتابة باختلاف الأماكن، فليس من السهل تحديد عمر المخطوطة بدراسة طريقة الكتابة. ولكن كانت الحاشية الأخيرة - في بعض المخطوطات - تحدد زمن كتابة المخطوطة، ولكن كثيراً ما كانت تغفل كتابة ذلك، أو تكتب في صورة يصعب فهمها، فقد تكون السنة المذكورة منسوبة الى بدء الخليقة - على حسب زعمهم - أو إلى خراب الهيكل الثاني، أو حسب التقويم الهجري في بعض المخطوطات المكتوبة في البلاد العربية، أو بالنسبة لعصر السلوقيين، وهو ما كان يحدث كثيراً.

وكثيراً ما كانت تغفل كتابة رقم الالاف للسنين، بل وأحياناً رقم المئات أيضاً، كما يحدث أحياناً الآن. كما أن الحاشية الأخيرة قد تكون منقولة - كما هي - عن نسخة أقدم. ولحسن الحظ نجد بعضها يسجل تاريخين أو ثلاثة تواريخ أو أكثر مما يساعد كثيراً على تحديد التاريخ المقصود. فعلى سبيل المثال، نجد في حاشية مخطوطة ليننجراد >B19a< أنه قد تم إعداد هذه المخطوطة في: (1) سنة 4770من خلق العالم، (2) في سنة 1444من سبي يهوياكين، (3) في سنة 319من الإمبراطورية اليونانية،(4) في سنة 940من تدمير الهيكل الثاني، (5) في سنة 399من حكم القرن الصغير.

وطبقاً للتقدير اليهودي لتاريخ خلق العالم فإن أول هذه التواريخ يوافق عام 1010م، أما التاريخ الثالث - إذا اعتبرنا رقم الآلاف محذوفاً - فإنه يوافق 1008م (1319سنة بعد سنة 312ق.م.). أما التاريخ الرابع فيوافق سنة 1009م. أما الخامس و الخاص بتاريخ القرن الصغير، فيوافق - حسب التقويم الهجري لأنها كتبت في طبرية في أثناء حكم العرب - 1008م. أما التاريخ المحسوب من سبي الملك يهوياكين فلا يتفق مع التواريخ الأخرى، ولعل السبب في ذلك هو خطأ العبارة الواردة في الترجوم بأن العصر الفارسي (الذي امتد من 539ق.م. حتى 331ق.م) لم يدم سوى جيل واحد. واتفاق أربعة تواريخ يجعل الرأي المقبول لتاريخ هذه المخطوطة هو 1008م.

 

خامساً:أقسام الأسفار الإلهية :إن تقسيم الكتاب المقدس إلى أصحاحات وأعداد(آيات) لم يكن معروفاً حتى القرن السادس عشر الميلادي. فقد كتبت الأسفار المقدسة ـ أصلاً ـ بغير أقسام فرعية، بل وبلا عناوين عادة. وكان يطلق على السفر قديماً الكلمات الافتتاحية له .

وأول تقسيم للنص العبري كان تقسيمه إلى آيات غير مرقمة، ولعل ذلك قد تم في زمن مبكر جداً. وقد اكتشفت مؤخراً مخطوطة يرجع تاريخها إلى ما قبل ميلاد المسيح بقليل، مقسمة إلى آيات، تكاد تتفق مع ما في النسخ العبرية الحديثة للعهد القديم، دون أي إشارة إلى ترقيم، وبدون التقسيم إلى أصحاحات. وبينما نجد التقسيم إلى آيات محكماً على وجه العموم، إلا أن هذا لا يتوفر في كل الحالات، فقد نجد الآية الواحدة تضم جملتين مستقلتين، بينما لا تشتمل آية أخرى إلا على جزء صغير من جملة. ولعل أوضح مثال لذلك هو مز 19: 4 حيث تضم هذه الآية الكلمات القليلة الأخيرة من جملة (في الآية السابقة) والكلمات القليلة الأولى من الجملة التالية.

وكانت الخطوة التالية هي تقسيم كل أسفار العهد القديم (ما عدا سفر المزامير الذي كان مقسماً بطبيعته) إلى 452 قسماً تسمى"سداريم" أي "الترتيب" منها 154 قسماً للأسفار الخمسة الأولى. ويقال أن يهود فلسطين اعتادوا أن يقرأوا بالتتابع جزءاً منها كل أسبوع في خدمات المجمع إلى أن ينتهوا من أسفار موسى في ثلاث سنوات. وظلوا هكذا حتى نهاية القرن الخامس عشر عند طرد اليهود من أسبانيا، فتغيرت هذه العادة إلى قراءة كل الأسفار الخمسة في خلال عام واحد فقط.

ثم قسمت أسفار موسى الخمسة بعد ذلك إلى أربعة وخمسين جزءاً حتى يمكن قراءتها في أيام السبوت في خلال عام واحد تقريباً. وتتفق نهايات هذه الأقسام الكبيرة مع نهايات كل ثلاثة من الأقسام الصغيرة. وما زالت هذه الأقسام مستخدمة في التوراة العبرية.

أما التقسيم إلى أصحاحات فلم يتم إلا في القرن الثالث عشر الميلادي، ويرجح أن الذي قام به رئيس أساقفة إنجليزي، قام به أولاً في الكتاب المقدس في اللاتينية، ولم يلبث اليهود أن أدركوا قيمة هذه التقسيمات فعملوا بها في كتبهم بنفس التقسيم الذي قام به ذلك الأسقف مع بعض التعديلات القليلة.

ولقد كان سفر صموئيل الأول والثاني في الأصل سفرًا واحدًا ولكن تم تقسيمه إلى سفرين مستقلين عند طباعة الكتاب المقدس في القرن السادس عشر، وهو ما حدث أيضاً بالنسبة لسفري الملوك الأول و الثاني، وسفري أخبار الأيام الأول والثاني.

سادساً: عمل الكتبة: إن الرجال الذين كرسوا أنفسهم للمحافظة على الأسفار المقدسة ونقلها، منذ زمن عزرا الى زمن "الماسوريين"، يطلق عليهم في المخطوطات العبرية اسم "السوفريم" (Sopherim) أي "الكتبة". وقد يوحي هذا الاسم بأنهم لم يكونوا سوى "نسَّاخ" والكلمة العبرية التي تعني "يكتب" هي "كَتَبَ" (كما في العربية)، وترد أكثر من مائتي مرة في العهد القديم، أما كلمة "سافار" (التي جاء منها الاسم "السوفريم") فمعناها "يحصى". وقد جاء في التلمود بأن حافظي الكتب يدعون "سوفريم" لأنهم يحصون الحروف والكلمات في كل قسم من أقسام الكتاب المقدس. وفي الواقع لم يكن "السوفر" مجرد ناسخ بل كان يعد القوائم ويتابع التفاصيل ويشرف على مختلف أوجه العمل. وأصبح الاسم أخيراً يطلق على كل من يكرس نفسه لكل عمل شرعي أو أدبي.

وفي أثناء تلك الحقبة الطويلة التي سبقت زمن"الماسوريين" لم تسجل سوى معلومات قليلة عن أنشطة الكتبة فيما يتعلق بالأسفار المقدسة، ولكن يمكن استنتاج الكثير من المعلومات عن نشاطهم مما سجلوه على شكل علامات أو حواشٍ .

ومن الواضح أنهم في سعيهم للمحافظة على سلامة النص من التغيير أو الإضافة كانوا يحصون عدد الكلمات في كل قسم وعدد الآيات والفقرات.وكانوا يكتبون ـ أحياناً ـ ملحوظات في الهوامش أو يكتبون حروفاً معينة بطريقة غير مألوفة، أو يضعون نقطاً أو غيرها من العلامات في أماكن مختلفة. وكانت هذه الملحوظات الغريبة تنسخ في المخطوطات الجديدة، وهكذا احتفظت بها مخطوطات الماسوريين ولو أن القصد من البعض منها قد طواه النسيان.

سابعاً:أعمال الماسوريين:إن أصل كلمة "ماسوري" غير معروف على وجه الدقة، ولكن المعتقد بصفة عامة أنها مشتقة من الأصل العبري "مازار" والتي تعني "ُيسلِّم" ومنه اشتق الاسم "ماسورا" للدلالة على التقليد المُسلَّم من جيل الى آخر من أجل المحافظة على الناموس. ومن غير المعروف متى أطلق على حفظة الناموس اسم "الماسوريين"، ولكن بحلول عام 920م، اعتبروا أن "الماسوريين" قد أتموا عملهم ولم يعد هذا الاسم يستخدم بعد ذلك .

كانت هناك مجموعات نشطة من الماسوريين في بابل وفي فلسطين، ومع أنه كان للتلمود و الترجوم اللذين صدر في بابل، أفضلية عند كل اليهود عن نظيريهما اللذين صدر في فلسطين، إلا أن الوضع اختلف فيما يختص "بالماسوريين"، فعلى الرغم من أن "الماسوريين" البابليين أنجزوا الكثير، إلا أن ما قامت به جماعة الماسوريين في طبرية، حاز القبول عند كل اليهود وأصبح معتمداً لدى الجميع. وقد وصلت إلينا أسماء الكثيرين من الماسوريين في طبرية، وكان أبرزهم أفراد عائلتي "ابن أشير وابن نفتالي". ولقد استمر نشاط أسرة "ابن أشير" على مدى خمسة أجيال من 780م الى نحو 920م.

ويمكن وضع المهام التي أنجزها "الماسوريون" تحت أربعة عناوين رئيسية:

الأولى: وهي الأهم، هي مواصلة العمل الذي كرس الكتبة له أنفسهم، وهو العمل على الحفاظ على سلامة نصوص الأسفار المقدسة، ولأجل هذا أحصوا عدد الحروف و الكلمات و الآيات و الأقسام في كل سفر، وحددوا الكلمة التي تقع في منتصف كل منها. كما أشاروا إلى الصيغ الغريبة أو غير المألوفة، ومرات تكرارها. وما من سبيل لمعرفة كل ما أنجزوه وما أنجزه من سبقوهم من الكتبة. فالكثير من إشارات الترقيم و العلامات الخاصة التي وضعها الكتبة، قام الماسوريون بنقلها كما هي، حتى وإن كانوا لم يدركوا - أحياناً - الغرض منها.

ولقد قام الماسوريون بتجميع قدر هائل من المواد من هذا النوع، أصبحت تعرف باسم "الماسوراه"، والملاحظات التي وضعوها على الهوامش الجانبية تعرف باسم "الماسوراه الصغيرة"، أما الملاحظات المسجلة في أعلى الصفحة وأسفلها فتعرف باسم "الماسوراه الكبيرة"، ويطلق نفس الاسم - أحياناً - على الملاحظات المسجلة في نهاية كل سفر والتي كثيراً ما تسمى "بالماسوراه النهائية". والكثير من هذه المادة مكتوب بلغة موجزة، ونصفها تقريباً بالعبرية والباقي بالأرامية، وتعد كلتاهما من اللغات الميتة منذ القرن التاسع الميلادي.

أما المهمة الثانية للماسوريين فكانت توحيد نطق الكلمات العبرية في العهد القديم، فبمرور الزمن نشأ ميل لإغفال الحروف المتحركة التي يجب نطقها مع الحروف الساكنة المكتوبة، وبدأ نطق الكلمات يختلف بإختلاف طريقة الحديث في الأقاليم المختلفة، بل إن القواعد النحوية نفسها شابها بعض الخلط، نتيجة لما حدث في نطق الكلام، ولذلك تصدى الماسوريون لهذه المهمة الخطيرة و المعقدة، ووضعوا ثلاثة نظم للنطق، ولكن تفوَّق منها نظام طبرية، والدراسة المتأنية لقواعد النحو، والبحث عن تقاليد النطق السليم أديا في بعض النقاط إلى العودة الواعية إلى الصور والممارسات التي كانت في القرون السابقة، ولكنها كادت تختفي. ويقول "بول كال" (Paul Kahle) إن الماسوريين قد نقلوا عن السريانية بعض القواعد مثل الحروف المشددة النطق. ولما أتموا ذلك العمل الضخم في تقنين قواعد اللغة مع الحفاظ على التقليد المؤكد، وتحقيق طريقة النطق السليم لكل كلمة، وضعوا علامات على كل كلمة لنطق الحروف المتحركة في التوراة العبرية.

وتضمن الجزء الثالث من عمل الماسوريين تقديم الإرشادات للقارئ عن الحالات التي تفضل فيها التقاليد الأكيدة قراءة كلمة بطريقة تبدو غير مناسبة لنص الحروف الساكنة. ويبدو من الواضح أن الماسوريين أصروا على عدم إحداث أي تغيير في النص الذي تسلموه. ومع ذلك فهناك بعض الحالات التي اعتادوا فيها القراءة بطريقة مغايرة. فقد اعتادوا - على مدى قرون - إلا ينطقوا لفظ الجلالة "يهوه"، بل كانوا يستعيضون عنه بكلمة "الاسم". وقبل ميلاد المسيح أصبح من المعتاد استبدال لفظ الجلالة بكلمة "أدوناي" (السيد أو الرب) ما لم يكن هذا الاسم قد سبق وروده مرتبطاً بلفظ الجلالة، وفي هذه الحالة كانوا يستبدلونه بكلمة "إلوهيم" (اللـه). وفي مثل هذه الحالات كان الماسوريون يضعون الحروف المتحركة في كلمتي "أدوناي" و"إلوهيم" على الحروف الساكنة الموجودة بالمتن، وهكذا أصبحت هذه القراءة الدائمة.

أما العمل الرابع للماسوريين، فلعله كان أكثر المهام استنفاداً للوقت، ولكنه أقلها أهمية بالنسبة للدارسين، ألا وهو العلامات اللازمة للمنشدين. فقد استقر الأمر - على مدى قرون - أن ينشد جزء على الأقل مما يتلى من الأسفار الإلهية في المجمع. ولكي يضع الماسوريون معياراً دقيقاً، اخترعوا نظاماً معقداً من علامات التنغيم، وأهمها علامة الوقف.

إنه لأمر يسير أن نتبين أنه بإضافة علامات التشكيل و الحروف المتحركة، تزايدت الصعوبة في الحفاظ على النص، فمع أن كل المخطوطات الماسورية متفقة تماماً في الحروف الساكنة، إلا أنه من الطبيعي أن تنشأ أساليب عديدة للحفاظ على هذه الصور الجديدة.

وتتضمن "الماسوراه الكبيرة" إشارات الى عدد من المخطوطات التي لها اعتبارها الكبير ،ولكن للأسف ضاعت كل هذه المخطوطات التي سبقت المخطوطات الماسورية. وتعد "المخطوطات الهليلية" - التي تنسب إلى "هليل" أحد الربيين الذي عاش في نحو 600م - من أعظم هذه المخطوطات. وهناك مخطوطات أخرى عرفت بأسماء مواطنها مثل مخطوطات أريحا وأورشليم وسينا وبابل.

استطاع ماسوريو طبرية ـ بوضع النظام الجديد لحركات التشكيل والحروف المتحركة ـ أن يبتكروا نموذجاً من المخطوطات أصبح هو الصورة المعتمدة في كل العالم اليهودي. ومع ذلك لم يكن كل ماسوري طبرية على اتفاق تام في كل تفاصيل هذا العمل. ومع بداية القرن العاشر، تمثلت هذه الاختلافات في منهجين، أحدهما ينتسب إلى ابن أشير، والآخر إلى ابن نفتالي. ولذلك فالمخطوطات التي كتبت في القرنين التاليين، دونت في حواشيها إشارات متكررة إلى القراءات المختلفة في كل منهما. ولم يلبث الكتَّاب أن شرعوا في عمل قوائم بهذه الاختلافات، وللأسف اختفت معظم هذه القوائم، ولكن اكتشفت مؤخراً قصاصات من عدة نسخ من كتاب يعالج هذا الموضوع، أمكن بتجميعها الوصول إلى القائمة كاملة، والكتاب بقلم كاتب اسمه "ميخائيل بن عزيئيل" وعنوانه "كتاب الخلاف"، وفيه يسجل 875 اختلافاً بين المنهجين. وتتعلق كل هذه الاختلافات ـ من الناحية العملية ـ بأمور التشكيل والتنغيم، وتهتم تسعة أعشارها بعلامة "الوقف". أما فيما يختص بالحروف الساكنة فلا يوجد أي اختلاف له قيمته، بين المنهجين.

لقد عاش كلا هذين المنهجين جنباً إلى جنب لفترة من الزمن، لكن ـ تدريجياً ـ مال غالبية النحويين والدارسين إلى تفضيل قراءة ابن أشير، مع قبول بعض قراءات ابن نفتالي. ثم أعلن الفيلسوف اليهودي الشهير موسى ابن ميمون (1135-1204) - عرضاً في كتابته عن بعض الموضوعات الكتابية التي لا تتعلق بالاختلاف بين المنهجين - أنه يعتبر مخطوطة العهد القديم التي في مصر، و التي شكلها وراجعها وعلق عليها ابن أشير هي المخطوطة الصحيحة. ولما كان لهذا الفيلسوف مكانة عظيمة في العلم اليهودي، فان عبارته السابقة كانت سبباً في أفول نجم منهج ابن نفتالي.

أما تلك النسخة التي تحدث عنها ابن ميمون، ويبدوا أنها نقلت إلى حلب حيث حفظت في مجمع "السوفريم" (الكتبة) هناك.

 

ثامناً: المخطوطات الماسورية الهامة: فيما بين عصر النهضة وعام 1800م، تمكنت الجامعات و المكتبات المختلفة من جمع عدد لا بأس به من المخطوطات العبرية و إن كان الموجود منها الآن يزيد على ثلاثة أضعاف ما جمع حتى 1800م. وترجع هذه الزيادة - في جانب منها - إلى الأبحاث الجادة التي قام بها "ابراهام فيركوفتش" (Firkovitch) الذي تمكن من جمع ما يزيد على ألفي مخطوطة لأجزاء من العهد القديم ووضعها في مكتبة لننجراد، كما ترجع أيضاً إلى العدد الكبير من المخطوطات الكتابية التي تم اكتشافها في خزانة المعبد اليهودي بالقاهرة. ومن الصعب المقارنة بين العديد من المخطوطات في مختلف المتاحف و المكتبات، فبعض المخطوطات تضم كل أسفار العهد القديم بينما قد لا تحتوي إحدى المخطوطات إلا على بضع صفحات. وتستلزم دراسة هذه المخطوطات بذل الكثير من الجهد. وبفضل الجهود المضنية التي بذلها "كال" (Kahle) وآخرون في النصف الأول من هذا القرن، أمكن التوصل إلى نتائج هامة.

كانت أول مجموعة من المخطوطات التي جمعها بنيامين كينيكوت (Kennicott) - فيما بين 1776، 1780م، و التي نشرتها جامعة إكسفورد - تضم 615مخطوطة للعهد القديم. بعد ذلك نشر جيوفاني دي روسي (De Rosse- 1784-1788) قائمة تضم 731 مخطوطة أخرى - وأهم الاكتشافات التي تمت في العصور الحديثة هي مجموعة خزانة المعبد اليهودي بالقاهرة (ابتداء من 1890م)، وفي مخطوطات البحر الميت (ابتداء من 1947م). ففي الخزانة العليا من معبد القاهرة اكتشفت نحو 200.000 (مائتي ألف) مخطوطة وجذاذة، منه نحو 10.000(عشرة آلاف) مخطوطة لأجزاء من الكتاب المقدس كما يذكر ج.ت. ميليك (Milik) أنه قد اكتشفت نحو 600(ست مائة) مخطوطة وجذاذة في كهوف البحر الميت. ويقدر "جو تشتين" (Gottstein) عدد مخطوطات وجذاذات العهد القديم باللغة العبرية، التي اكتشفت حتى الآن بعشرات الآلاف من المخطوطات.

وأكبر مجموعة منها تتكون من 10.000 جذاذة من أسفار العهد القديم مما وجد في خزانة معبد القاهرة، وهي محفوظة الآن في مكتبة جامعة كمبردج، ويلي ذلك في العدد المجموعة الثانية "لفير كوفتش" (Firkovitch) المحفوظة في لننجراد، وتشمل على 1.582 جذاذة من أسفار العهد القديم و "الماسوراه" مكتوبة على رقوق، 725 مكتوبة على ورق، علاوة على 1.200 (ألف ومائتي) جذاذة من مخطوطات غير عبرية. ويحوي فهرس المتحف البريطاني 161 مخطوطة عبرية للعهد القديم، كما يحتوي فهرس مكتبة بودلين (Bodlian) على 146 مخطوطة من العهد القديم منها عدد كبير عبارة عن جذاذات. ويقدر "جو تشتين" عدد المخطوطات السامية الموجودة في الولايات المتحدة وحدها بعشرات الآلاف من المخطوطات الكالمة أو الجذاذات، 5% منها من أسفار الكتاب المقدس.

والمخطوطات التالية مرتبة حسب التواريخ المرجحة لكتابتها، وتعتبر أفضل المصادر لنصوص "ابن أشير":

(1)  مخطوطة القاهرة لأسفار الأنبياء: ويشار إليها أحياناً بالحرف (C)، ويرجع تاريخها إلى 895م، وتحتوي على كل القسم الثاني من العهد القديم، وكاتبها هو موسى بن أشير، وهو آخر المشهورين من عائلة ابن أشير، وقد أهداها إلى جماعة "القرّائين" في أورشليم، ثم استولى عليها الصليبيون في عام 1099م، ثم عادت إلى اليهود ووصلت إلى جماعة "القرّائين" بالقاهرة. وهي مكتوبة على ثلاثة أعمدة بالتشكيل و الحروف المتحركة حسب الأسلوب الطبري.

 

(2)مخطوطة ليننجراد العبرية(B. 3) و يشار إليها بالحرف “P” نسبة إلى مدينة "بتروجراد" (الاسم السابق لمدينة لينينجراد). ولا تضم هذه المخطوطة ـ التي يرجع تاريخها إلى 916 م ـ إلا أسفار الأنبياء المتأخرين وظلت تعتبر أقدم مخطوطة زمناً طويلاً إلى أن تم اكتشاف المخطوطات الأقدم ويستخدم فبها النظام البابلي من وضع علامات النطق فوق السطور، وفي نفس الوقت تتبع أسلوب مدرسة طبرية في علامات التشكيل والحواشي. وفي بعض الصفحات استبدلت بعض العلامات الطبرية بالعلامات البابلية.

 

(3) مخطوطة حلب ، وتعرف أحياناً "باسم المخطوطة A " :

ويذكر في الملحوظة الختامية فيها أن هارون بن أشير (ابن موسى بن أشير) المتوفى في نحو 940م هو الذي أضاف إليها الحروف المتحركة والحواشي. وهذه المخطوطة مكتوبة على رقوق على ثلاثة أعمدة. وكانت هذه المخطوطة أصلاً في أورشليم ثم نقلت إلى القاهرة، وأخيراً استقرت في حلب. وتعتبر ـ بوجه عام ـ أنها المخطوطة التي ذكر موسى بن ميمون أنها أصح النسخ، وكانت أصلاً تضم كل العهد القديم ولكن التلف أصاب ما يقرب من ربعها (وسنتناولها بشيء من التفصيل في البند الحادي عشر).

 

(4) مخطوطة المتحف البريطاني أو المخطوطة رقم 4445 :

والأرجح أنها كتبت في منتصف القرن العاشر الميلادي، ولا تحتوي إلا على جزء من التوراة (من تك 39: 20 ـ تث 1: 33).ويتكرر ذكر اسم ابن أشير عدة مرات في حواشيها.

 

(5) مخطوطة لينينجراد "L" (B . 19A) . وهي تشمل على كل العهد القديم وقد أحضرها "فير كوفتش" من "كريميا" (Crimea) وسبق الكلام عنها في "أنواع المخطوطات"، ومسجل بها أنها نسخت بعناية فائقة في عام 1008 عن مخطوطة أعدها هارون بن موسى بن أشير . وهي مكتوبة على ثلاثة أعمدة بأسلوب طبرية في تشكيل الكلمات. بالإضافة إلى ذلك، وجد "كال" (kahle) في خريف 1926 م في ليننجراد بين المخطوطات التي جمعها "فير كوفتش" في المجموعة الثانية، أربع عشرة مخطوطة عبرية يرجع تاريخها إلى ما بين 929 م ، 1121 م، وجميعها تطابق نص ابن أشير.

ورغم الدليل الجديد حول تفاصيل نص ابن نفتالي، فإنه لا يوجد دليل قاطع على اكتشاف أي مخطوطات خاصة لها في صورة نقية، فيذكرون بين هذه المخطوطات مخطوطة "روخلن" (Codex Reuchlinianus) المحفوظة في "كارلسروه" (Karlsruhe) في ألمانيا، وثلاث مخطوطات، كانت محفوظة سابقاً في ارفورت. ولو أن بعض العلماء يقولون أن "مخطوطة روخلن" تمثل نقطة الانتقال بين المخطوطات الماسورية البابلية و الطبرية.

وبعد عام 1100م تم نسخ عدد كبير من المخطوطات، ولم تلبث المخطوطات أن أصبحت مركبة، اعتمدت أساساً على نسخة ابن أشير مع وجود عدد من الاختلافات، التي نقل أكثرها عن ابن نفتالي. وخلال هذه القرون لم تعد "للماسوراه" أهميتها الكبيرة، وأصبحت معظم الحواشي مجرد صور للحواشي أو غيرها من الأشكال الخزفية.

وبمجرد اختراع الطباعة، بادر اليهود إلى إنتاج عدد من الكتب العبرية، فطبعت أجزاء من الكتاب المقدس بالعبرية قبل عام 1500م، وهاجر "دانيال بومبرج" (Daniel Bombreg) من "أنتورب" إلى "فينسيا"، وهناك أسس مطبعة وأصدر عدد من الكتب العبرية الهامة فيما بين عامي 1516، 1549م. وقد صدرت الطبعة الأولى من العهد القديم في 1516/1517م، وتولى مراجعتها فيلكس براتنسيس (Felix Pratensis) ، وكانت تشتمل على النص العبري مع الترجمة الأرامية وتعليقات هامة في أعمدة متوازية. ثم حلت محل هذه الطبعة، طبعة ثانية لبومبرج، قام بمراجعتها "يعقوب بن حاييم" من تونس، وفيها ضم "ابن حاييم" مختارات كثيرة من "الماسوراه". وظلت الطبعة مستخدمة في العالم الغربي حتى 1937م. أما الطبعات الأخرى للتلمود والطبعات الأولى للعهد القديم بأكمله أو أجزاء منها، فكانت تعتبر أقل أهمية.

وفي القرن الثامن عشر تحولت الأنظار إلى الاختلافات الموجودة في المخطوطات المتاحة، ويتعلق معظمها بالحروف المتحركة. وقام بنيامين كينيكوت (Kennicott) فيما بين 1776، 1780م بطبع العهد القديم في اكسفورد، وحصر فيها الاختلافات الموجودة فيما يزيد على ستمائة مخطوطة عبرية. أما ج.ب.دي روسي (De Rossi) فقد اصدر فيما بين 1784/1788م في مدينة "بارما" (Parma) الإيطالية قائمة اختلافات مطولة بمختارات لأهم القراءات في 1417 مخطوطة ومطبوعة. ولكن معظم المراجع التي استخدمها كل من كينيكوت ودي روسي كانت ترجع إلى عصور متأخرة نسبياً.

وفي عام 1869م أخذ "س.باير" (S.Baer) على عاتقه أن يطبع أجزاء من العهد القديم، على أمل أن يقدم نصاً علمياً دقيقاً، ولكن هذا العمل لم يكتمل، كما أن أسلوبه لاقى انتقادات شديدة. ثم في 1908-1926م أصدر كريستيان جينسبرج (Ginsburg) طبعة للعهد القديم بمقدمة قوية عن الاختلافات، ولكنه التزم أساساً بنص "يعقوب بن حاييم". وفي 1906م أصدر "رودلف كيتل" (Rudolph Kittel) التوراة العبرية (Biblia Hebraica) ، ثم أعاد طبعها في عام 1912م مستخدماً نص "ابن حاييم" مع العديد من الهوامش غير الدقيقة. وفي 1928م أعلن "س.س. توري" (Torrey) من جامعة ييل (Yale) "أن طريقة (كيتل) في التوراة العبرية تتضمن قراءات كثيرة زعم خطأ أنها روجعت على الترجمة اليونانية، إذ أنها جمعت عشوائياً من شروحات مختلفة ".

وعندما اقترح البعض إصدار طبعة ثالثة من "التوراة العبرية" رأى "بول كال" (Paul Kahle) أن يستخدم نص ابن أشير بدلاً من نص ابن حاييم، وبذلت محاولات كثيرة لتصوير المخطوطة الموجودة في مجمع "السوفريم" وفي حلب، ولكن حراسها لم يسمحوا لا بتصويرها ولا بدراستها، ولذلك اقترح "كال" طبع مخطوطة ليننجراد (B.19 A) فأعارتها سلطات ليننجراد لجامعة بون، فقام "كال" بتصويرها ومراجعة النص والماسوراه للتوراة العبرية(الطبعة الثالثة). وعندما تم طبعها في عام 1937 م، سرعان ما أصبحت النسخة المعتمدة عند علماء الغرب، ولكن ـ للأسف ـ احتفظت هذه الطبعة بحواشي الطبعة الثانية، وقد نقل عنها عدد من الترجمات الإنجليزية الحديثة. ولكن عدداً من العلماء البارزين انتقدوا هذه الحواشي لعدم دقتها ، ولأنها تضم مختارات من الترجمات القديمة التي لم يتم تحقيقها علمياً.

وفي عام 1958 م أصدرت جمعية التوراة البريطانية و الأجنبية توراة عبرية قام بإعدادها "نورمان . هـ .سنيث" .(Norman H. Snaith) الذي اعتمد إلى حد بعيد على الملحوظات النقدية على المخطوطة الأسبانية التي أصدرها الربي "سليمان نورزي" (Solomon Norzi) في عام 1626 م. كما أعلن "سنيث " أن النص الذي أعده يشبه تماماً ما وجده "كال" في مخطوطة لينينجراد.

 

تاسعاً: لفائف البحر الميت :

اهتز العالم المسيحي فرحاً عندما أعلن في عام 1948 م عن اكتشاف عدد من اللفائف في العام السابق ، ترجع إلى عصر المسيح وما قبله. وقد توقع كثيرون من العلماء أن تختلف هذه اللفائف اختلافاً جذرياً عن النص العبري الموجود في المخطوطات المكتوبة بعد ذلك بألف عام .

وكان أهم ما في هذه اللفائف بالنسبة لعلماء الكتاب , الدرج الذي يطلق عليه الآن الرمز “1QIS ” ، وهو عبارة عن نسخة من سفر إشعياء مكتوبه بخط جميل. وكان واضحاً - مما أصابه من بلى - أنه قد استخدم كثيراً، فقد كادت بعض الحروف تختفي تماماً واعيدت كتابتها. وظهر عند دراسته أنه يتفق بوجه عام مع النص الماسوري رغم وجود بعض الاختلافات. كما أن نسخه لم يتم بالعناية الكافية، فقد حدث خطأ في بعض الكلمات في بعض الأماكن، فمحيت أو شطبت ثم صوبت. كما توجد تغييرات في حروف أو كلمات كتبت بنفس الخط المدونة به المخطوطة ككل. بالاضافه إلى بعض التصويبات بخط مختلف. أما الحروف و الكلمات التي سقطت من الناسخ، فكثيراً ما كتبت فوق السطر كما نجد أحياناً، الإضافات قد كتبت على الهامش الأيسر.

وبالإضافة إلى أخطاء النسخ الواضحة، فهناك بعض المواضع التي يتفق فيها النص مع الترجمة السبعينية أكثر مما يتفق مع النص الماسوري، الأمر الذي يستدل منه بعض العلماء على أن الترجمة السبعينية تقدم لنا نصاً أدق للعهد القديم كما كان منذ ألفي سنة. وبإجراء المزيد من الدراسات المتأنية اتضح أنه وإن كانت هذه المخطوطات تتفق في بعض المواضع مع الترجمة السبعينية أكثر مما مع الماسورية، إلا أنها في غالبية المواضع تتفق مع الماسورية أكثر مما مع السبعينية.

ومما يدعو للدهشة أن مخطوطة سفر إشعياء (1Q ISa) تستخدم الحروف المتحركة أكثر مما تستخدمها المخطوطات الماسورية. ويبدو أن الناسخ نفسه، أو ناسخ المخطوطة المنقول عنها، قد أدرج هذه الحروف المتحركة ليعين القارئ على فهم النص، فنجد أحياناً أن طريقة النطق التي تتبعها تلك الرقوق، تختلف في النص الماسوري، فالنص الماسوري يذكر اسم "تارتان" (لقب أحد قواد أشور - إش 1:20)، بينما تضيف إليهم رقوق البحر الميت حرف "الواو" ليصبح "تورتان". وقد أظهر اكتشاف أحد السجلات الآشورية القديمة،أن الصيغة الآشورية للاسم هي "تورتانو" ( Tur tannu ). لقد تغير - عبر القرون - الحرف المتحرك الأول من هذه الكلمة الأجنبية غير المألوفة، لكن الحروف الساكنة ظلت كما هي.

وهناك درج آخر لسفر إشعياء يرمز له بالرمز “IQ Isbوجد في الكهف الأول أيضاً، كان من الصعب فضه. وعندما تم ذلك بسلام، ظهر أنه في حالة سيئة، فقد فقدت منه أجزاء كثيرة. وعندما تبين للعلماء انه قريب جداً من النص الماسوري، وجهوا معظم اهتمامهم إلى المخطوطة الأولى >IQ Iss<.

وفي عام 1952 تم اكتشاف عدد من المخطوطات في بعض كهوف " وادي المربعات" الواقع على بعد أحد عشر ميلاً إلى الجنوب من وادي قمران. والكثير من هذه المخطوطات عبارة عن خطابات أمكن تحديد أنها ترجع إلى القرن الثاني بعد الميلاد. كما وجدت أيضاً عدة نسخ لكثير من الأجزاء من العهد القديم تتفق تماماً مع النصوص الماسورية.

وفي منطقة قمران، وفي أكثر من عشرة كهوف من بين نحو ثلثمائة كهف تم كشفها، وجدت مخطوطات أو أجزاء من مخطوطات، وجد أكثرها في الكهوف 1،4،11 إلا أنه لم تظهر حتى الآن أي مخطوطة لها أهمية المخطوطة “IQ Isaسواء في الحجم أو اكتمال النص. وقد وجدت بعض المخطوطات الكبيرة نوعاً في الكهف الحادي عشر. كما وجدت في الكهف الرابع آلاف القصاصات من ماّت المخطوطات . وكان من الصعوبة في البداية معرفة ما تتضمنه هذه القصاصات, إذ كان يجب ترطيبها أولاً بعناية حتى لا تتفتت عند لمسها , ثم تبسط بعد ذلك وتدرس بدقة الكلمات القليلة المسجلة عليها لمعرفة ما إذا كانت جزءاً من الكتاب المقدس أم ليست منه , وإذا كانت منه فما هو هذا الجزء . وقد تم التعرف على ما يقرب من مائة مخطوطة من العهد القديم تمثل كل الأسفار ماعدا سفر أستير . ويرجح أن قصاصة من سفر صموئيل ترجع إلى القرن الرابع قبل الميلاد .

ورغم الاتفاق الكبير بين معظم المواد المكتشفة في كهوف قمران مع النص الماسوري, فإن القليل منها يتفق مع الترجمة السبعينية أو مع التوراة السامرية أكثر مما مع المخطوطات الماسورية وبخاصة سفر صموئيل الذي يبدو أنه كان أقل الأسفار عناية به في المخطوطات الماسورية . وقد ضمت إحدى المخطوطات ـ من الكهف الرابع ـ نصاً لسفر صموئيل قريباً جداً من الترجمة السبعينية . كما وجدت مخطوطة أخرى لعلها تفوق الماسورية والسبعينية أيضاً .

وتمثل مخطوطات وادي المربعات جماعة من اليهود الذين كان لهم نشاط ملموس في ثورة باركوكبا (فيما بين 132-135م)وهى تطابق تماماً النص الرسمي الذي أخذ عنه النص الماسوري , والجزء الأكبر من مخطوطات قمران منقول عن هذا النص , والقليل منه يختلف , وهو أمر طبيعي لاختلاف جماعات قمران الذين جاءوا من أماكن مختلفة من البلاد حاملين معهم مخطوطات نسخت في أوطانهم التي جاءوا منها , وهي كثيراً ما كانت تنسخ على عجل وبغير عناية كافية , فحدثت أخطاء في النسخ نتج عنها بعض التغييرات في النصوص , ومن ثم انتقلت هكذا إلى الكثير من المخطوطات التي نقلت عنها (الرجا الرجوع إلى مخطوطات البحر الميت في باب الباء من المجلد الثاني من دائرة المعارف الكتابية).

 



عاشراً: خزانة القاهرة : في ضوء العدد الكبير من مخطوطات العهد الجديد , ووجود الترجمة السبعينية منذ قرون طويلة , قد يبدوا غريباً أنه فيما قبل مخطوطات البحر الميت , لم تكن بين أيدينا مخطوطة عبرية للعهد القديم يرجع تاريخها إلى ما قبل 895م. فقد تعرض اليهود في العصور الوسطى كثيراً لاضطهادات عنيفة , وأجبروا على الرحيل من مكان لاّخر, بينما نعمت بعض الأديرة المسيحية في الشرق بالهدوء لما يقرب من ألف وخمسمائة عام , ومع هذا فمن الصعب تعليل عدم وجود مخطوطات عبرية للعهد القديم ترجع في تاريخها إلى ما قبل عصر الماسوريين, إلا أن يكون ذلك نتيجة للعادة اليهودية المتأصلة من حماية آية كتابات يذكر فيها أسم اللـه , من التدنيس , فإذا بليت أو وجد فيها خطأ, كانت تستبعد فوراً من التداول وكان في كل مجمع يهودي مخبأ سري أو خزانة, عبارة عن غرفة تحت قبو المجمع أو في علبته, يحفظ فيها المجمع المحفوظات والوثائق التي لم تعد تستخدم إلى أن يحين الوقت المناسب لدفنها في أرض مقدسة, وكانت المخطوطات البالية تدفن ـ عادةً ـ مع أحد العلماء عند دفنه .

وكان "ابراهام فيركوفتش"((Firkovitch خبيراً في التنقيب في مجامع اليهود ومخابئهم , وكان يتكتم تماماً مصدر مكتشفته من المخطوطات , إلا أن "بول كال" (Paul kahle) كان متيقنا ًللغاية من أن العديد منها وجده "فيركوفتش" في خزانة المجمع اليهودي بالقاهرة .

وتوجد هذه الخزانة في مجمع لليهود أنشئ في 882م في مبنى كان أصله كنيسة مسيحية , ثم أستعمل فيما بعد لما يزيد عن ألف عام مجمعاً لليهود . وعلى مدى قرون عديدة كانت الوثائق المهملة تودع في تلك الخزانة .ثم حدث أن دخل هذا المخبأ عالم النسيان , بل أقيم جدار سد الغرفة ذاتها فترة من الزمان , وعندما أعيد اكتشافها في القرن التاسع عشر , كانت بعض المخطوطات قد دفنت , ولكن لم يستمر الأمر هكذا طويلاً حيث أن تجار العاديات أبدوا استعدادهم لدفع مبالغ طائلة ثمناً لهذه الوثائق القديمة . وقد نقل الكثير من هذه المخطوطات و الجذاذات من هذه الخزانة إلى العديد من المتاحف والمكتبات في أوروبا و أمريكا. وفي عام 1896م أرسلت مكتبة جامعة كمبردج "السيد/سليمان سشتر" (Solomon Sehechter ) ومعه تفويض في الحصول على أكبر قدر من هذه المخطوطات, فتمكن من شحن الكثير من القصاصات . وبلغ عدد القصاصات التي نقلت من هذه الخزانة ما يربو على مائتي ألف قصاصة تشمل على وثائق من مختلف الأنواع , لأن عقود العمل العادية , متى كانت تحمل أسم اللـه في تحية أو تاريخ أو غير ذلك , كانت تحفظ في هذه الخزانة . ودراستنا لهذه الوثائق لابد أن تثري معرفتنا عن الحياة الثقافية بالقاهرة في تلك العصور الوسطى . ولقد أصبحت المئات من المخطوطات الكتابية ـ المأخوذة من خزانة القاهرة ـ متاحة الآن، وقد قام "بول كال" بدراسة العديد منها , ومن ثم خرج بنظرياته عن مجموعتين مختلفتين للما سوريين, إحداهما من بابل والأخرى من إسرائيل . ووضع عدة فروض عن تاريخ النص العبري. لقد حصلنا على الكثير من دراسة هذه المخطوطات , ولكن مازال هناك الكثير أيضاً مما يمكن تحصيله بمزيد من الدراسة لهذه الوثائق .

حادي عشر : مخطوطة حلب :لقد كان العلماء يعتقدون - كما ذكرنا سابقاً ـ أن مخطوطة حلب هي أقدم مخطوطة كاملة باقية للعهد القديم , وأن هارون أبن أشير ذاته هو الذي وضع تشكيلها وكيفية النطق بها "والماسوراه" فيها, ومن ثم خاب أمل "بول كال " عندما لم يتمكن من استخدام هذه المخطوطة أساساً "للتوراة العبرية" في طبعتها الثالثة. وفي عام 1948م، هاجم الرعاع مجمع "السوفريم" (الكتبة) في حلب وأحرقوه فخشى الناس ـ على مدى بضع سنوات ـ أن يكون الدمار قد أصاب المخطوطة، إلا أن الرئيس الإسرائيلي آنذاك ـ "اسحق بن زيفي" ـ لم يفقد الأمل في إمكانية العثور عليها وإنقاذها، وظل طويلاً يحاول معرفة مكانها، وتناقش مراراً مع قادة المجمع عن الطرق والوسائل التي يمكن بها اكتشاف هذه المخطوطة الثمينة ونقلها بسلام إلى أورشليم. وأخيراً تكللت جهوده بالنجاح، وأعلن في عام 1960م - على العالم كله - بأنه تم العثور عليها وأودعت في مكتبة الجامعة العبرية في أورشليم. لكن للأسف كان قد أصابها تلف كبير على أيدي الرعاع، فقد كانت قبل 1948م كاملة، أما الآن فقد فقد نحو ربعها بما في ذلك 90% من أسفار موسى.

ورغم أن سلطات "السوفريم" (الكتبة) في حلب لم تسمح مطلقاً للعلماء اليهود بتصوير أي جزء من المخطوطة، إلا أنها سمحت ذات مرة للعالم الإنجليزي "وليم ويكس" (Wickes ) بتصوير صفحة منها ( تشمل على تك 26: 17 ـ 27: 30)، فنشرها في 1887م في صدر كتابه عن حركات التشكيل العبرية. وفي عام 1966م أعلن "م. هـ . جوشن خوتشتين" ( M.H.Goshen Gottsteien ) من الجامعة العبرية أنه اكتشف أنه قد سمح في مرة أخرى لمسيحي آخر بتصوير بضع صفحات من مخطوطة حلب. وقد نشر القس "ج.سيجول"( J.Segall ـ أحد المرسلين، وقد قضي في دمشق عدة سنوات) في عام 1910م ـ كتاباً بعنوان "رحلات في شمالي سورية" ضمَّنه صورة لبضع صفحات من مخطوطة حلب (تشمل على تث 4: 38 ـ 6: 3). ولما كانت هذه الأجزاء قد تلفت ضمن ما تلف من المخطوطة، فإن وجود هذه الصور كان الصور كان مصدر فرح كثير، ولكن للأسف كانت الصور التي التقطها "سيجول" غير واضحة تماماً لدرجة تكفي لمعرفة كل تفاصيل الحروف المتحركة وعلامات الترقيم والماسوراه، ولو أنه أمكن قراءة الحروف الساكنة بوضوح. ولا يكاد يوجد أي شك في أصالة المخطوطة وعلاقتها المباشرة بهارون بن أشير. وسوف يلقى المزيد من الدراسة لهذه المخطوطة كثيراً من الضوء في المستقبل القريب على تفاصيل كثيرة لنصوص هذه المخطوطة الثمينة.

 

ثاني عشر : أنماط الخطأ : عند نسخ المخطوطات العبرية، كان من الطبيعي أن تتكرر أنماط الخطأ كما يحدث في كل أنواع المخطوطات. ويمكن تصنيف هذه الأخطاء إلى: (1) أخطاء البصر، (2) أخطاء السمع، (3) أخطاء الذاكرة .

فمن المعروف أن المخطوطات كثيراً ما كانت تنسخ عن طريق الإملاء، حيث يقوم رجل واحد بإملاء عدد من الكتبة في وقت واحد، كما كان يحدث كثيراً في المخطوطات اليونانية والرومانية . ولعل هذا ما حدث في مخطوطات وادي قمران وفي غيره من الأماكن وبخاصة عند النسخ الشعبية من الأسفار المقدسة. ولكن كان محظوراً تماماً أن تعمل النسخ الرسمية للأسفار المقدسة بهذا الأسلوب، إذ كان على الكاتب أن يمعن النظر مراراً فيما يقوم بنسخه، وبناء عليه، يجب ألا توجد أخطاء السمع في المخطوطات الرسمية. أما أخطاء الذاكرة فقليلة جداً، لكنها موجودة حيث لأن الكاتب كان معرضاً أن يختلط عليه الأمر في تذكرة كلمة فيكتب بطريق الخطأ غير ما رأى.

أما أخطاء البصر فمردها تشابه أشكال الحروف، فقد يخطئ الكاتب في قراءة حرف غير واضح في النسخة التي ينقل عنها، فيكتبه على غير حقيقته. وكثيراً ما نجد مثل هذه الأخطاء في المخطوطات الكتابية. وأكثر الأخطاء شيوعاً هو اللبس بين حرفي "الدال والراء" فهما قريبان جداً في رسمهما حتى ليصعب التمييز بينهما في كل حالة. والدليل الواضح على ذلك نراه في أسماء الأعلام وبخاصة في أسفار الملوك وأخبار الأيام حيث يكتب الاسم مرة "بالدال" ومرة أخرى "بالراء". كما أن هناك حالات نجد فيها كلمة في الترجمة السبعينية يبدو أن لا علاقة لها بنظيرتها في النص العبري، ولكن بافتراض أن النص الماسوري الذي نقلت عنه الترجمة السبعينية. قرأت فيه "الدال" عوضاً عن "الراء" فإذا صوبت الكلمة على هذا الأساس، لاتفق المعنى في الحالتين.

وهناك أنواع أخرى شائعة من أخطاء البصر تنتج عما يعرف "بالهابلوجرافي" (haplography ـ أي كتابة حرف أو مجموعة حروف مرة واحدة بدلاً من وجوب كتابتها مرتين). وهناك أيضاً "الدتوجرافي"( dittography ـ أي تكرار الحرف أو مجموعة حروف عن غير قصد)، وأيضاً الحذف بسبب تشابه النهايات أو "الهوميوتليوتون" (homoeoteleuton ) حيث تقفز العين من كلمة إلى أخرى تماثلها مسقطة بذلك جملة أو أكثر. ويعلم كل كاتب كم يتكرر مثل هذا الخطأ عند النسخ .

 

ثالث عشر : الدليل من الترجمات : نظراً لأننا تناولنا موضوع ترجمات العهد القديم مثل الترجمة السبعينية والترجوم والسريانية (البشيطة) والفولجاتا في موضوعها (عند الكلام عن ترجمات الكتاب المقدس في المجلد الثاني من دائرة المعرف الكتابية)، لذلك سنقصر كلامنا هنا على بعض الأمور العامة، عن العلاقة بين هذه الترجمات ونصوص العهد القديم.

عند تحديد أهمية ترجمة من الترجمات، فمن الطبيعي أن يكون الاعتبار الأول هو عمر الترجمة. فترجمة العهد القديم إلى اللغة الهندية ـ مثلاً ـ هي ترجمة حديثة لا أهمية لها في تحقيق نصوص العهد القديم، ولكنها تعد دليلاً أو شهادة للنص الذي نقلت عنه الترجمة. فلكي تكون للترجمة أي قيمة، يجب أن يكون قد تمت في عصور قديمة .

أما الاعتبار الثاني فهو مدى أصالتها. فعند ترجمة نص ما من لغة إلى أخرى، لابد أن يفقد النص كثيراً من قوته ودقته، فالكلمات لا تتطابق تماماً بين لغتين مختلفتين، كما يحدث كثير من الالتباس بين الكلمات المختلفة المستعملة، كما تختلف أنماط التعبير وصيغ الأفعال وقواعد بناء الجمل اختلافاً جذرياً في اللغات المختلفة، ومن ثم فإن كل ما تستطيعه الترجمة هو أن تنقل صورة عامة للمعنى الأصلي. أما عند الترجمة عن نص مترجم عن لغة ثالثة، فلابد أن تتسع الفجوة بين الترجمة الأخيرة والنص الأصلي، وعلى هذا فإن أحد العوامل الهامة التي تضفي قيمة على الترجمة، هو موضوع نقلها مباشرة عن النص الأصلي. فالفوجتا ـ مثلاً ـ قام بترجمتها القديس جيروم عن اللغة العبرية مباشرة في 400م، لذلك كان لها أهمية كبير في تحديد النص العبري في ذلك التاريخ. ولكن الأمر يختلف في حالة الترجمة اللاتينية القديمة، فمع أنها أقدم من الفولجاتا ببضعة قرون، لكنها لم تترجم عن العبرية مباشرة بل عن الترجمة السبعينية، وتقتصر قيمتها على تحقيق نص الترجمة السبعينية في ذلك التاريخ، أما قيمتها في تحديد الأصل العبري فأقل بكثير من الفولجاتا.

وهناك أربع ترجمات قديمة مباشرة هي : الترجمة السبعينية التي بدأت في نحو 280ق.م. والترجمة السريانية (البشيطة) ولعلها تمت في القرن الخامس الميلادي رغم أن بعض أجزائها قد تكون أقدم من ذلك. والفولجاتا اللاتينية التي تمت في 400م، ثم الترجمات الآرامية (الترجوم) التي تمت في أزمنة مختلفة.

وهناك اعتبار آخر يجب ألا نغفله، وهو مدى الجهد الذي بذل في الحفاظ على نقاء وسلامة النص. وفي هذا الصدد نجد أن العناية التي بذلت في الحفاظ على النصوص الماسورية تفوق مثيلتها في أي كتاب آخر بما في ذلك مختلف ترجمات العهد القديم. ولقد تشعبت الاتجاهات في المخطوطات المختلفة للترجمة السبعينية، وقد قضى بعض العلماء ساعات بلا عدد في دراستها ومقارنة بعضها ببعض، ولكنهم لم يصلوا إلى نظام متكامل من حيث تقسيمها إلى مجموعات (أو مدارس) وعمل خرائط أنساب لها شبيهة بتلك التي عملت لمخطوطات العهد الجديد اليونانية . ولا يحتمل أن مشروعاً كهذا يمكن أن يتم بنجاح نظراً للكم الهائل الذي تلزم دراسته، وأيضاً لأن الأسفار المختلفة ترجمت أو نسخت في أزمنة مختلفة.

وللترجمة السبعينية أهمية كبرى في قسم مثل سفر صموئيل، لأن النص العبري ـ في هذا القسم ـ تعرض للاختلاف أكثر من أي جزء آخر. وللسبعينية أهمية خاصة أيضاً حينما يمكن تفسير قراءتها على أساس حدوث اختلاف في حركات التشكيل، أو بافتراض أن الأصل العبري الذي نقلت عنه، استبدلت فيه "الدال" "بالراء" أو العكس كما سبق القول. وهناك مثال واضح لذلك في نبوة عاموس (9: 12) حيث ذكر النص الماسوري: "لكي يرثوا بقية أدوم"، بينما تقول الترجمة السبعينية: "لكي يطلب الباقون من الناس الرب"، ويمكن تفسير هذا الاختلاف على أساس افتراض اختلاف تشكيل إحدى الكلمات واستبدال الراء بالدال في كلمة أخرى، وقد اقتبس يعقوب الرسول هذا النص في سفر الأعمال(15: 17) كحجة قاطعة في مجمع أورشليم، وكان بين الحاضرين فيه البعض من خيرة المتعلمين، فلو كان اقتباسه غير صحيح، لفندوا كلامه بسهولة. ومن هنا نستطيع أن نتيقن أنه في عصر الرسل كان الأصل العبري مطابقاً الترجمة السبعينية أكثر مما مع النص الماسوري.

ومما هو جدير بالذكر أن مختلف الترجمات القديمة والمباشرة قد تأثرت كثيراً بالترجمة السبعينية، ومن ثم فإن تلك الترجمات ليست حجة قوية على النص العبري، بقدر ما لو كانت على خلاف ذلك. إن دراسة الترجمات لها قيمة بالغة لمعرفة التأويل الذي كان شائعاً لمختلف الأجزاء في الوقت الذي تمت فيه الترجمة، بل وأيضاً لتحديد النص البديل الممكن أن يكون ـ في أحوال معينة ـ هو النص الأصيل. والنص الماسوري ـ في معظم الحالات ـ هو النص الذي يعتمد عليه اكثر مما على أي ترجمة .

 

رابع عشر : الخلاصة: يجب ملاحظة أن المادة المتاحة لتحقيق نصوص العهد القديم، تفوق أضعافاً مضاعفة ما هو متاح لتحقيق نصوص أي وثيقة قديمة أخرى، فيما عدا العهد الجديد. والتطابق بين الحروف الساكنة في مختلف المخطوطات لمما يدعو إلى الدهشة. كما أن الكم الهائل من المخطوطات التي تم اكتشافها، والتي ترجع إلى ما قبل الميلاد، تطابق ـ إلى أبعد حدَّ ـ في حروفها الساكنة النص الماسوري. كما أن قصاصات قليلة يمكن أن تقدم الدليل على وجود وثائق مختلفة في بعض نواحي أرض إسرائيل في تلك الفترة المبكرة، ولعل بعضها هو النص الذي نقلت عنه التوراة السامرية أو النص الذي ترجمت عنه الترجمة السبعينية.

وإنه لعمل فريد في التاريخ، أن يتم نسخ وإعادة نسخ النصوص منذ عصر قمران حتى عصر ابن أشير دون وقوع سوى هذه الاختلافات الطفيفة. ولقد أدى الماسوريين خدمة جليلة بتسجيلهم نظام وضع الحروف المتحركة وتقنينه. كما أن قصاصات خزانة المعبد اليهودي بالقاهرة ستعيننا ـ إلى مدى أبعد مما سبق ـ على معرفة تطور هذا النظام، وأين يمثل وضع الحروف المتحركة أو علامات التشكيل، الحفاظ على النصوص القديمة، وأين يمثل ذلك ما وصل إليه الماسوريين .

كما أن مخطوطة حلب ستمكننا من معرفة ما أسفرت عنه جهود الماسوريين بصورة أدق من ذي قبل .

وهكذا نعلم أن النص قد حفظ بدقة ملحوظة، كما يكشف لنا ذلك عن القصد الإلهي في أن تكون لنا ثقة في الكتاب المقدس وأصالته، أعظم مما في أي كتاب آخر، مع احتمال أن يقع خطأ في نسخ آية بذاتها متى أخذت على حدة. وهذه حقيقة هامة جداً حتى لا نبني أي عقيدة على آية بمفردها، فآية بمفردها يمكن أن تشتمل على خطأ ما، وحيث لا يوجد أي خلاف بين آيتين، فمعنى ذلك عدم احتمال حدوث أي تغيير في النص. إن اللـه يحذرنا ويأمرنا أن نقارن الروحيات بالروحيات، أي أجزاء الكتاب المقدس ببعضها البعض .

 

مخطوطات العهد الجديد



أولاً: مقدمة: لم يتأثر العلم بكتاب من الكتب قدر تأثيره بالكتاب المقدس بعامة، والعهد الجديد بصفة خاصة ،وليس ذلك فحسب، بل إن التاريخ لم يحتفظ لنا بقدر من المخطوطات القديمة لأي كتاب قدر ما احتفظ به من المخطوطات اليونانية للعهد الجديد. فمؤلفات بعض الأقدمين (على سبيل المثال: "حوليات تاسيتوس") لم تصلنا منه سوى مخطوطة واحدة، كما لم يصلنا من بعض المؤلفات القديمة سوى بضع مخطوطات أو أكثر قليلاً، كما أن هناك مخطوطات لبعض المؤلفين مثل يوربيدس (Euripides) وشيشرون قد يصل عددها إلى مئات قليلة، أما العهد الجديد فهناك ما يقرب من 3000 مخطوطة باللغة اليونانية، بعضها قصاصات تضم بضع آيات، والبعض الغالب مخطوطات تضم العهد الجديد بأكمله، بالاضافة إلى ما يقرب 2.000 مخطوطة يونانية مرتبة حسب القراءات الكنسية اليومية، إلى جانب نحو 8.000 مخطوطة باللغة اللاتينية، وما يزيد عن 2.000 مخطوطة من الترجمات القديمة في لغات عديدة غير ما يكتشف بين وقت وآخر.

ومن ناحية أخرى، نجد أن سلامة نصوص مخطوطات العهد الجديد، تفوق - بما لا يقاس - سلامة أي كتاب قديم آخر. ويرجع تاريخ أقدم مخطوطة معروفة من أعمال بعض المؤلفين القدامى إلى نحو ألف عام أو أكثر بعد موت الكاتب، وليس من النادر أن يكون الفرق الزمني بضع مئات من السنين أو على الأقل ثلاثمائة عام كما في حالة فرجيل (Virgil) . ولكن على النقيض من ذلك، نجد أن اثنين من أهم المخطوطات التي وصلت إلينا للعهد الجديد ترجع إلى أقل من ثلاثمائة عام من عصر الرسل.

بل إن جزءاً كبيراً من العهد الجديد باقٍ في مخطوطات بردية ترجع كتابتها إلى مائة أو مائتي عام بعد حياة كاتبيها من الرسل. ولما كان علماء الكلاسيكيات يفترضون الثقة - عموماً - في الكتابات الدنيوية حتى لو كان الفاصل الزمني بين وقت كتابتها أصلاً وبين وقت تدوين المخطوطة كبيراً، ولو لم يوجد منها سوى العدد القليل من المخطوطات، فواضح أنه جدير بدارس العهد الجديد أن يثق بأن نص العهد الجديد الذي بين يديه هو نفس ما دونه كاتبوه أصلاً.

وفي نفس الوقت، فإن استنساخ عمل أدبي قبل عصر الطباعة يختلف عنه بعد اختراعها، فمن الممكن الآن طباعة أي عدد من النسخ المتطابقة تماماً، أما قديماً فكانت كل نسخة تكتب على حدتها باليد. وفي مثل تلك الأحوال، كان لابد ألا تتطابق تماماً أي مخطوطتين من أي كتاب وبخاصة إذا كان كبيراً نوعاً. ويغطي عصر الكتابة اليدوية للمخطوطات فترة من الزمن يبلغ ثلاثة أرباع الزمن منذ إتمام كتابة العهد الجديد حتى الآن. ونظراً للأعداد الهائلة التي تم نسخها من مخطوطات بعض أو كل العهد الجديد، خلال القرون الأولى، فإن معنى هذا أن العديد من الاختلافات قد وجدت طريقها إلى المخطوطات. وقد فقدت أصول أسفار العهد الجديد - بلا شك - في زمن مبكر جداً. ومعنى هذا أنه ليس من الممكن أن نحدد بدقة كاملة كل كلمة من الكلمات الأصلية للعهد الجديد على أساس أي مخطوطة بذاتها، ولا سبيل إلى ذلك الا بمقارنة العديد من المخطوطات ووضع أسس تحديد الشكل الدقيق - بقدر الإمكان - للنص الأصلي. وتعرف دراسة مخطوطات الأعمال الأدبية - التي فقدت أصولها - بهدف تحديد النص الأصلي، باسم "نقد النصوص" (texual criticsim) . ومع أن العهد الجديد هو أكبر وأهم مجال لهذه الدراسة، فإن الدراسة النقدية للنصوص أمر ضروري لكل عمل أدبي قديم، إذ يندر جداً وجود النص الأصلي بخط يد الكاتب القديم نفسه.

إن نقد النصوص أمر جوهري ومطلب ضروري لدراسة العهد الجديد، لأنه يجب أن يسبق تحديد النص الأصلي محاولة تفسيره.

عند نسخ أي كتاب بخط اليد، لابد أن تحدث أخطاء عند النقل سواء سهواً أو عمداً - في بعض الأحيان - وعند استنساخ هذه النسخة تنتقل أخطاء النسخة المنقول عنها إلى النسخة الجديدة علاوة على ما يحدث من الناسخ الجديد من أخطاء واختلافات عند النقل. وهكذا كلما زاد عدد مرات النسخ بين مخطوطة أصلية إلى أن نصل إلى مخطوطة من عصر متأخر، زاد عدد الأخطاء والاختلافات في المخطوطة الأخيرة، فمخطوطة من القرون المتأخرة يكون قد مر بينها وبين المخطوطة الأصلية أجيال من المخطوطات، أكثر مما لو كانت من قرون مبكرة . ولكن قد ترجع مخطوطة إلى القرن الحادي عشر ولكنها نقلت مباشرة عن مخطوطة من القرن الرابع، التي لم يفصلها عن المخطوطة الأصلية الا أجيال قليلة من المخطوطات، بينما قد تنقل مخطوطة من القرن الثامن عن مخطوطة من القرن السابع يفصل بينها وبين المخطوطة الأصلية عشرون جيلاً مثلاً - من المخطوطات.

وفيما يختص بمخطوطات العهد الجديد، فإن العدد الكبير نسبياً المعروف لنا الآن، لا يمثل - بدون شك - الا نسبة ضئيلة من العدد الضخم الذي تم إنجازه في القرون الأولى . وفي الحقيقة لا يمكننا بأي حال أن نثبت أن مخطوطة معينة هي الأصل الذي نقلت عنه مخطوطة أخرى، كما لا يمكننا أن نحدد عدد الأجيال من المخطوطات التي تفصل بين أي مخطوطة و المخطوطة الأصلية، ولذلك يفترض العلماء - بعمة - أن مخطوطة من عصر متأخر يفصل بينها وبين المخطوطة الأصلية عدد من أجيال المخطوطات أكثر مما يفصل بين مخطوطة من عصر مبكر و المخطوطة الأصلية، أقل قيمة من الثانية، مع اعترافهم بوجود بعض الاستثناءات لهذه القاعدة.

ويجب ألا يخطر على بالنا أن نصوص العهد الجديد مبنية على أسس مشكوك في صحتها بسبب العدد الكبير من أجيال المخطوطات، أو بسبب العدد الضخم من الاختلافات الموجودة في المخطوطات، ففي الواقع لا يحوم أدنى شك حول الجزء الأكبر من كلمات العهد الجديد. ولم يسترع انتباه ناقدي النصوص سوى جزء صغير جداً نسبياً من كلمات العهد الجديد، فكل مخطوطات العهد الجديد في واقع الأمر متطابقة ولا يوجد أدنى شك في سبعة أثمان كلمات العهد الجديد، ولو غضضنا الطرف عن الاختلافات عديمة القيمة، فإن 1 /60(نحو 1.67%) فقط من كلمات العهد الجديد يمكن أن تكون موضع تساؤل، وما لا يزيد عن كلمة واحدة من كل ألف كلمة (0.1%) يمكن أن يدور تساؤل جوهري حول النص الأصلي لها، الا أنه ما من عقيدة من عقائد المسيحية مبنية على نص غير محقق أو يحوم حوله أدنى شك.

 

 

ثانياً: علم الكتابة القديم (الباليوجرافياPaleography ) :

( أ ) أشكال الكتابة: (1) لفائف البردي: في القرن المسيحي الأول الذي كتبت فيه أسفار العهد الجديد كان الشكل المألوف للمخطوطات هو لفائف البردي. والبردي ينمو على شكل أعواد طويلة من البوص على ضفاف النيل، ولا يكاد ينمو في غير ذلك من الأماكن. ولإعداده للكتابة كانت تقشر سيقان النبات ويشق اللب (نخاع السيقان) إلى شرائح رقيقة توضع جنباً إلى جنب في طبقة واحدة ثم توضع فوق هذه الطبقة، طبقة أخرى متعامدة عليها، ثم يطرق فوقها طرقاً خفيفاً حتى تلتصقا معاً، وتترك في الشمس، وبذلك تصبح الصحيفة الرقيقة الناتجة من هذه العملية، صالحة للكتابة عليها بالطول، وكان يستعمل لهذا الغرض قلم خاص من البوص. وكانت تتراوح مساحة هذه الصحائف بين ست بوصات عرضاً وتسع بوصات طولاً، إلى اثنتي عشرة بوصة عرضاً وخمسة عشر بوصة طولاً. وكان يوضع طرف صحيفة فوق طرف صحيفة أخرى ويلصقا معاً، وهكذا حتى تتكون لفافة من عشرين صحيفة في العادة، ومتى لزم الأمر كانت تلتصق عدة لفائف معاً. ولكن كان هناك ـ عمليًّا ـ حد معين لطول البردية، وقد يتطلب المؤلَّف الأدبي الكبير أكثر من درج أو لفافة من البردي. وكانت البردية عادة تطوى حول نفسها. وكانت أعمدة الكتابة ـ عادة ـ ضيقة حتى لا تستلزم قراءة البردية بسط جزء كبير منها. وكانت الكتابة تدون على الوجه الداخلي للبردية، ولذلك كانت ترص شرائح البردي في هذا الوجه أفقياً. ولم يكن يكتب ـ عادة ـ على السطح الخارجي للبردية لعدم سهولة القراءة على ذلك الوجه، ولصعوبة الكتابة على الشرائح الرأسية، ولكن كانت هناك بعض الاستثناءات، فقد رأى يوحنا في رؤياه "سفراً مكتوباً من داخل ومن وراء" (رؤ5: 1).

والدرج (أو اللفافة) كأحد أشكال الكتاب، له عيوب محددة، مثلما يحدث عند نقله على شرائط الميكروفيلم، كما يجب إعادة لف الدرج عقب استعماله في كل مرة، وقد يهمل أحد القراء ذلك ليتولاه من يليه، بالاضافة إلى أن الرجوع إلى مواضع مختلفة من الدرج كان - ولا شك - يشكّل صعوبة أكبر مما في الكتب المألوفة لنا الآن، فكانت هذه هي الأسباب الرئيسية التي أدت - بعد بداية العصر المسيحي بقليل - إلى استبدال هذه اللفائف بالكتب.

(2)مخطوطات البردي: استخدمت الألواح الشمعية - منذ القديم - في التمارين المدرسية وفي الكتابات الوقتية، وكانت هذه الألواح إلى حد ما - شبيهه بألواح الأردواز التي يستخدمها الأطفال ولكن كان سطوحها تغطى بالشمع بدلاً من الأردواز، وكان يكتب عليها بقلم معدني وكان يكتب عليها بقلم معدني وبمرور الوقت تتطور الأمر إلى ربط عدة ألواح منها بأشرطة جلدية تمر من خلال ثقوب على هامش الألواح. وقد أدى هذا الأمر - قبل العصر المسيحي - إلى عمل الكراسات المكونة من صفحات مطوية. وقد استخدمت هذه الكراسات في أغراض غير رسمية، وفي غير الكتابات الأدبية، ثم أصبح الكاتب يستخدمها كمسودة لأعماله، التي تنسخ بعد ذلك في صورتها النهائية على لفائف من البردي.

(3)الرقوق الجلدية: كما استخدمت جلود الحيوانات - منذ القديم - في الكتابة. وقبل العصر المسيحي بنحو مائتي عام ابتكرت طريقة جديدة لمعالجة الجلد، حيث كانت تكشط الجلود وتنقع في الجير الحي، وتبعث بالطباشير وحجر الخفاف، فينتج سطح رقيق متماسك قوي الاحتمال صالح للكتابة عليه بريشة طائر أو بقلم لين من البوص. وعرفت تلك الصحائف بالرقوق، ثم استعملت لتدوين المذكرات على هيئة مخطوطات . وفي زمن تدوين أسفار العهد الجديد أصبحت المخطوطة على شكل كتاب، سواء من البردي أو الرقوق، أمراً مألوفاً، لكن ظل الشكل الغالب لتسجيل الأعمال الأدبية هو لفائف البردي على مدى بضعة قرون. ولكن أقدم مخطوطات العهد الجديد على شكل الكتب، وليست على شكل الأدراج أو اللفائف. كما أدى تدوين العهد الجديد إلى استخدام الرقوق عوضاً عن البردي،فبعد أن كان العهد الجديد يكتب على أوراق البردي في بداية العصر المسيحي، حلت الرقوق الجلدية محل البردي تماماً منذ بداية القرن الرابع، وسواء كانت المخطوطات. الأصلية للعهد الجديد على شكل لفائف أو مجلدات، فإنه لم يمض وقت طويل حتى صارت المجلدات هي الشكل الوحيد لمخطوطات العهد الجديد، ولعل رجوع المسيحيين الأوائل دائماً إلى الأسفار المقدسة، كان هو السبب في تعميم استخدام المجلد عوضاً عن الدرج، وكما سبق القول، إن أقدم المخطوطات الموجودة الآن هي من مجلدات البردي ثم تحولت من القرن الرابع إلى مجلدات من الرقوق الجلدية. وقبل اختراع الطباعة بوقت قصير أفسحت الرقوق الجلدية المكان للورق في العالم الغربي.

والخلاصة أن الأسفار الأصلية كانت على شكل لفائف أو مجلدات من البردي، وفي القرنين الثاني و الثالث كانت على شكل مجلدات من البردي، أما في القرن الرابع فأصبحت على شكل مجلدات من الرقوق مع بعض المجلدات من البردي التي ظلت مستخدمة حتى القرن السابع.

(4) أشكال أخرى : تم تدوين بعض أجزاء صغيرة من العهد الجديد على صورتين أخريين يصعب أن يعتبرا ضمن المخطوطات، فأكثر من عشرين جزءاً من العهد الجديد (تمثل ستة أسفار) نجدها مكتوبة على قطع مكسورة من الفخار الذي كان يستعمله الفقراء مادة للكتابة .

وبالإضافة إلى ذك كانت تكتب بعض كلمات قليلة من العهد الجديد على أنواع مختلفة من المواد، لتستخدم كطلاسم أو تعاويذ، رغم تحريم الكنيسة لذلك، وقد وصلتنا بعض هذه الطلاسم.



القلم



سفر أيوب 19: 24


وَنُقِرَتْ إِلَى الأَبَدِ فِي الصَّخْرِ بِقَلَمِ حَدِيدٍ وَبِرَصَاصٍ.

سفر إرميا 17: 1


« خَطِيَّةُ يَهُوذَا مَكْتُوبَةٌ بِقَلَمٍ مِنْ حَدِيدٍ، بِرَأْسٍ مِنَ الْمَاسِ مَنْقُوشَةٌ عَلَى لَوْحِ قَلْبِهِمْ وَعَلَى قُرُونِ مَذَابِحِكُمْ.

رسالة يوحنا الرسول الثالثة 1: 13


وَكَانَ لِي كَثِيرٌ لأَكْتُبَهُ، لكِنَّنِي لَسْتُ أُرِيدُ أَنْ أَكْتُبَ إِلَيْكَ بِحِبْرٍ وَقَلَمٍ.



الحبر



سفر إرميا 36: 18


فَقَالَ لَهُمْ بَارُوخُ: «بِفَمِهِ كَانَ يَقْرَأُ لِي كُلَّ هذَا الْكَلاَمِ، وَأَنَا كُنْتُ أَكْتُبُ فِي السِّفْرِ بِالْحِبْرِ».

رسالة بولس الرسول الثانية إلى أهل كورنثوس 3: 3


ظَاهِرِينَ أَنَّكُمْ رِسَالَةُ الْمَسِيحِ، مَخْدُومَةً مِنَّا، مَكْتُوبَةً لاَ بِحِبْرٍ بَلْ بِرُوحِ اللهِ الْحَيِّ، لاَ فِي أَلْوَاحٍ حَجَرِيَّةٍ بَلْ فِي أَلْوَاحِ قَلْبٍ لَحْمِيَّةٍ.


رسالة يوحنا الرسول الثانية 1: 12


إِذْ كَانَ لِي كَثِيرٌ لأَكْتُبَ إِلَيْكُمْ، لَمْ أُرِدْ أَنْ يَكُونَ بِوَرَق وَحِبْرٍ، لأَنِّي أَرْجُو أَنْ آتِيَ إِلَيْكُمْ وَأَتَكَلَّمَ فَمًا لِفَمٍ، لِكَيْ يَكُونَ فَرَحُنَا كَامِلاً.


رسالة يوحنا الرسول الثالثة 1: 13


وَكَانَ لِي كَثِيرٌ لأَكْتُبَهُ، لكِنَّنِي لَسْتُ أُرِيدُ أَنْ أَكْتُبَ إِلَيْكَ بِحِبْرٍ وَقَلَمٍ.



Another application of chemistry to textual criticism is in the dating and verification of manuscripts. Spectroscopy and other tests can reveal chemicals contained in inks or paintings without damaging the manuscript. And if a manuscript contains a chemical not in use at the time it was thought to have been written, well, that implies a problem. This line of argument has been used, e.g. to implicate 2427 as a forgery, since it contains Prussian Blue, a dye not invented until the eighteenth century, well after 2427's alleged date. The problem with such arguments is that they depend to a strong extent on our knowledge of history of chemical use; there is currently a major argument about another chemical, titanium dioxide, thought to be modern but now found in small amounts in ancient inks.
Another recent surprise came when a technique called Raman spectroscopy was used on the British Library's King George III copy of the Gutenberg Bible. According to a (non-technical) article in
Renaissance magazine (issue #45, p. 18), the inks used to illuminate that printed book (which of course is contemporary with some late manuscripts) included cinnabar for bright red (as expected), carbon for black, azurite for blue (not a surprise, though some blues use lapis lazuli), calcium carbonate (chalk) for white, malachite for olive green, and verdigris (copper ethanoate) for dark green. More notably, the Göttingen copy was found to contain anatase and rutile, which had been regarded as modern compounds. This may be the result of contamination, but it may be a hint that we may still have more to learn about ancient inks



(ب) الخطوط: (1) الخط الكبير المنفصل الحروف (Uncial) :

منذ ما قبل العصر المسيحي، كان هناك نمطان من الخط اليوناني، أحدهما يستخدم في الرسائل و الأعمال التجارية و الموضوعات غير الأدبية ويكتب بحروف متصلة (Cursive) . والآخر للأغراض الأدبية ويكتب بحروف كبيرة منفصلة (Uncial- شبيهه بالحروف الإنجليزية الكبيرة في أول الجمل). فإذا أخذنا في الاعتبار الاستخدامات الخاصة لهذين الأسلوبين للكتابة، نستطيع أن نفترض أن مخطوطات العهد الجديد التي كانت تُعدّ للنشر - مثل الأناجيل - كانت تكتب عادة بالحروف الكبيرة المنفصلة(Uncial) ، بينما الكتابات الشخصية - كرسائل الرسول بولس - كانت تكتب بالحروف المتصلة، ولكن عندما نسخت هذه الرسائل لنشرها، كتبت أيضاً بالحروف الكبيرة المنفصلة. وكل المخطوطات القديمة وصلت إلينا، سواء من رسائل الرسول بولس أو غيرها من أسفار العهد الجديد، مكتوبة بالحروف الكبيرة المنفصلة، حتى ليمكن القول بأن العهد الجديد قد نشر منذ البداية مكتوباً بالحروف الكبيرة المنفصلة (Uncial).

(3)الخط الصغير (minuscule) :استمرت طريقتا الكتابة جنباً إلى جنب لعدة مئات من السنين، ثم حدث في أوائل القرن التاسع تطويراً لأسلوب الكتابة بالحروف المتصلة، باستحداث طريقة أرق وأسهل، (هي أشبه بخط الرقعة في العربية )، وقد ساعدت هذه الطريقة للكتابة على إخراج مخطوطات رائعة، علاوة على أن الكتابة بها أسرع من الكتابة بالحروف الكبيرة المنفصلة. وترجع أقدم مخطوطة معروفة للعهد الجديد بالخط الصغير المتصل الى 835م، كما أنها أقدم مخطوطة للعهد الجديد تحمل تاريخاً. وبنهاية القرن العاشر الميلادي كانت الكتابة بالحروف الصغيرة المتصلة هي المعمول بها وحلت محل الكتابة بالحروف الكبيرة المنفصلة. وبهذا نستطيع أن نقسم تاريخ مخطوطات العهد الجديد، ففي القرون الأولى نجد المخطوطات مكتوبة بحروف كبيرة منفصلة، كما نجد مخطوطات مكتوبة بالأسلوبين من الخطوط في أواخر القرن التاسع و القرن العاشر كله. أما بعد ذلك فالمخطوطات جميعها بالحروف الصغيرة المتصلة.

وفيما بين عصري الكتابة بالحروف الكبيرة المنفصلة و الكتابة بالحروف الصغيرة المتصلة، توجد بعض الملامح التي تساعد على تحديد تاريخ المخطوطات بوجه التقريب، فأقدم المخطوطات بالحروف الكبيرة المنفصلة على ورق من البردي نجدها خالية من الزخرفة، ولا يشار إلى الفصل الجديد بأكثر من نقطة كعلامة ترقيم، أو بمسافة صغيرة على السطر. كما أن أقدم هذه المخطوطات على الرقوق، لا تحتوي على زخارف ولكن بها القليل من الفواصل و علامات الترقيم، أما الفصل الجديد بقد يبدأ بسطر جديد أو بحرف كبير نوعاً على الهامش الأيسر للصفحة . وبمرور الوقت أضيفت الحركات و الوقفات وعلامات الترقيم الأخرى. أما الحروف التي يبدأ بها فصل جديد فكانت تكتب مزخرفة وكبيرة مع بعض الصور و الزخارف، على أن الكتابة ذاتها أسوأ مما كانت قبلاً وحروفها ثقيلة وأقل دقة.

ولقد مرت مخطوطات الخط الصغير ذي الحروف المتصلة في نفس المراحل تقريباً، فعلى الرغم من وجود الفواصل و علامات الترقيم بها منذ البداية، فإن المخطوطات الأولى منها كانت جميلة الخط وواضحة والزخرفة فيها قليلة نسبياً، ولكنها أصبحت - فيما بعد - أقل دقة وجمالاً مع الإسراف في الزخرفة. وإحدى سمات المخطوطات اليونانية، عدم وجود فواصل بين الكلمات، سواء في الخط الكبير المنفصل الحروف، أو في الخط الصغير المتصل الحروف، وإذا لم تنتهي الكلمة بنهاية السطر. فإنها تستكمل في السطر التالي حسب قواعد محددة في تقسيم المقاطع .

 

(جـ) إعادة استعمال الرقوق بعد محو الكتابة التي عليها (Palimpests):

مع أن البردي كان خامة جيدة للكتابة عليه، الا أنه لا يتحمل محو الكتابة وإعادة استخدامه مراراً للكتابة، أما الرقوق فعلى العكس من ذلك، فهي تحتمل محو الكتابة وإعادة الكتابة عليها، وذلك متى لم تعد هناك حاجة إلى ما هو مسجل على الرقوق، أو إذا حدث تلف أو تمزق في الصحائف، فكان في الإمكان نزع الصحائف التالفة من المخطوط، ثم يمحى النص الأصلي المكتوب على الصحائف الباقية ويعاد تنظيمها على شكل ملازم جديدة لكتابة نص آخر عليها. حتى مخطوطات العهد الجديد لم تسلم من هذا المحو، حتى اضطرت السلطات الكنسية إلى تحريم هذا العمل، ويطلق على المخطوطة التي تمحى كتابتها الأصلية وتعاد الكتابة عليها بالوصف اليوناني "باليمبست" (palimpest) أي "المحو ثانية". ولحسن الحظ لم يكن هذا المحو كاملاً عادة حيث أمكن قراءة الكثير من النصوص الممحوة، من خلال الكتابة الجديدة. ومن أهم هذه الرقوق من مخطوطات العهد الجديد، المخطوطة >C< المعروفة باسم "المخطوطة الأفرايمية"، فلقد أزيلت نصوص العهد الجديد التي كانت مكتوبة عليها أصلاً، لتكتب عليها مقالات لمار أفرآم السرياني، أحد آباء الكنيسة السريانية. ومجموع هذه الرقوق التي وصلتنا، لا يتجاوز خمسين مخطوطاً كانت عليها أصلاً نصوص العهد الجديد بالحروف الكبيرة المنفصلة.

(د) الاختصارات: كانت الاختصارات - في أقدم مخطوطات العهد الجديد - مقصورة تماماً على نحو خمس عشرة كلمة فقط،مثل "اللـه" و "الرب" و "السماء" وبعض الكلمات الأخرى التي لها صبغة مقدسة، وكانت هذه الاختصارات عبارة عن الحرفين الأول و الأخير من الكلمة مع وضع خط أفقي فوق السطر للدلالة على الاختصار. علاوة على ذلك كان إذا حدث أن جاء حرف النون (nu) في نهاية السطر، كُتب نيابة عنه خط أفقي مرتفع للدلالة عليه. وفي عصر الكتابة بالحروف الصغيرة المتصلة، امتد الاختصار إلى كلمات كثيرة بكتابة المقطع الأول فقط من الكلمة. كما حدث أيضاً دمج حرفين أو أكثر معاً في وحدة واحدة، إلى جانب الرموز التي كانت نوعاً من الاختزال الذي يمثل كلمات معينة أو نهايات معينة.

 

(هـ) أقسام النص:

يوجد بالعديد من المخطوطات اليونانية للعهد الجديد، أرقام (يشار إليها بالحروف اليونانية) في الهوامش تشير إلى تقسيمات آمونيوس والجداول اليوسابية. ولقد قسمت الأناجيل الأربعة في زمن مبكر جداً إلى أقسام مختلفة. وتعزى هذه الأقسام إلى شخص اسمه أمونيوس(Ammonius) . وفي القرن الرابع الميلادي قام يوسابيوس - أحد آباء الكنيسة - بترتيب الإنجيل على أساس تقسيمات أمونيوس، وباستخدام الأرقام التي قسم بها أمنيوس الأناجيل. كما أعد يوسابيوس جداول سجل فيها الفقرات المتناظرة في الأناجيل الأربعة، والفقرات التي يتفق فيها ثلاثة أناجيل، والفقرات التي يتفق فيها إنجيلان، وكذلك الفقرات التي لم ترد الا في إنجيل واحد. ثم أضاف بعد ذلك رقم الجدول إلى رقم كل قسم من تقسيمات أمونيوس في كل الأناجيل، وقد سهَّل هذا النظام على القارئ معرفة الأجزاء المتناظرة في الأناجيل . وقد استخدمت هذه الأرقام أيضاً في بعض طبعات العهد الجديد في اليونانية.

 

(و) سلسلة مقتطفات من كتابات آباء الكنيسة:

بالاضافة إلى مخطوطات العهد الجديد المتواترة، هناك نوعان آخران من المخطوطات: أحدهما المخطوطات الملحق بالنص الكتابي بها مختارات من كتابات آباء الكنيسة شرحاً نصوص العهد الجديد. وقد اتخذت مخطوطات العهد الجديد المصحوبة بتعليقات الآباء عدة أشكال ل: فقد يكتب شرح الآباء على الهوامش الخارجية حيث يشغل النص الكتابي حيزاً صغيراً من الصفحة. وقد يكتب الشرح مع النص الكتابي في فقرات بالتبادل، أو أن يدون النص الكتابي والشرح في أعمدة متوازية. وكان يكتب اسم صاحب الشرح في المخطوطات الأقدام عهداً، أما في المخطوطات المتأخرة، فكان اسم الشارح يكتب مختصراً أو يرمز إليه أو يغفل تماماً. كما كان يوضع رمزاً أو رقم في بداية الفصل في مسلسل شروح الآباء وفي صلب نصوص العهد الجديد للدلالة على الفقرة الكتابية التي يرتبط بها الشرح.

 

(ز) القراءات الكتابية: وهناك مخطوطات أخرى تختلف عن مخطوطات نصوص الكتاب، هي مخطوطات القراءات الكتابية، وفيها ترتب أجزاء من العهد الجديد بنظام معين لتقرأ في الخدمة الكنسية على مدار السنة. ونجد انعكاساً لهذه القراءات اليومية في العديد من المخطوطات العادية للعهد الجديد، حيث نجد كلمتي :"البداية والنهاية" أو مختصراً يدل عليهما.

 

ثالثاً: الأدلة على صحة النصوص:

لقد وصلتنا نصوص العهد الجديد عن ثلاثة مصادر هي:

( أ ) المخطوطات اليونانية،

(ب) الترجمات القديمة،

(جـ) اقتباسات الكتَّاب القدامى.

( أ ) المخطوطات اليونانية: كان الكتَّاب الأقدمون - عندما يستشهدون بالمخطوطات اليونانية، يشيرون إليها بطرق مختلفة: إما بالاسم أو برمز يربط بين المخطوطة وصاحبها، أو بالمكتبة التي تحتفظ بها. ولما كثر الاستشهاد بإعداد متزايدة من المخطوطات، أصبح من الضروري استخدام نظام أبسط. ولقد بذلت محاولات عديدة في هذا المضمار، قبل أن يستكمل النظام المستخدم حالياً، حيث يشار إلى المخطوطات - البردية - وكلها بالحروف الكبيرة المنفصلة - بحرف >P< يعلوه رقم لكل مخطوطة. وتضم هذه المجموعة من البرديات ستاً وسبعين بردية. أما المخطوطات المكتوبة على رقوق جلدية بالحروف الكبيرة المنفصلة، فيشار إلى بعضها بحروف كبيرة من الأبجدية الإنجليزية واليونانية، مع ذكر رقم مسبوق بالصفر("مثل02.065 ") بسبب قصور ومحدودية الحروف الأبجدية. أما المخطوطات المكتوبة بالخط الصغير المتصل، فيشار إليها بالأرقام (مثل 33.565.2065). أما القراءات الكتابية فيشار إليها برقم يسبقه المقطع الأول من كلمة "قراءات" في اليونانية "lect " أو الحرف الأول منها "L " (مثل lect 22.L1301).

(1)المخطوطات البردية: جميع ما وصلنا من أقدم المخطوطات اليونانية للعهد الجديد، مسجل على ورق البردي، ويرجع تاريخها إلى الفترة من منتصف القرن الثاني الميلادي حتى القرن الرابع، ولكن بردية واحد (برقم p74 ) ترجع إلى القرن السابع. ورغم أن البرديات عبارة عن أجزاء غير كاملة إلا أنها في مجموعها تشكل قدراً كبيراً من العهد الجديد، ورغم أنها ترجع إلى زمن مبكر إلا أنها فقدت الكثير من أهميتها لأنها مكتوبة بخط كتبة غير مؤهلين، ويبدو فيها عدم الاهتمام بالتفاصيل الصغيرة.

وهناك مجموعتان هامتان من المخطوطات البردية، هما:

1-مجموعة تشستر بيتي(Chester) ، التي حصل عليها في 1930 / 1931،وتضم البرديات الآتية:

أ ـ بردية "p45 " وتحوي 1/ 7 الأناجيل الأربعة تقريباً مع سفر الأعمال . وترجع إلى أوائل القرن الثالث الميلادي.

ب ـ بردية "p46 " وتحوي جزءاً كبيراً من رسائل الرسول بولس (ما عدا الرسائل الرعوية) بالإضافة إلى الرسالة إلى العبرانيين، وترجع أيضاً إلى أوائل القرن الثالث الميلادي.

جـ ـ بردية "p47 " وتحتوي على 1/3 سفر الرؤيا تقريباً وترجع إلى القرن الثالث أيضاً.

ومعظم أوراق برديات مجموعة "تشستر بيتي" موجود في "دبلن" ولو أن ثلاثين ورقة من الأوراق الستة والثمانين للبردية “P46” موجود في مجموعة جامعة "متشجن". كما توجد بعض قصاصات من ورقة واحدة من أوراق البردية “P 45” في "فيينا". وقد نشر السير "فريدريك كنيون" (Frederic Kenyon) هذه المخطوطات في كتيبات تضم صوراً فوتوغرافية لها إلى جانب النص المطبوع.

2- والمجموعة الثانية من المخطوطات البردية للعهد الجديد - ولعلها الأهم - هي مجموعة "مكتبة بودمر (Bodmer) في جنيف بسويسرا. ولا نعرف سوى القليل عن المصدر الحقيقي لهذه البرديات، وهي تضم:

أ - البردية >P 66< وتشمل على قسم كبير من إنجيل يوحنا، ويرجع بعض العلماء بتاريخها الى منتصف القرن الثاني الميلادي، وهي بذلك تعتبر أقدم مخطوطة لأي جزء من العهد الجديد.

ب- البردية >P 72< وتشتمل على رسالة يهوذا ورسالتي بطرس الرسول، بالإضافة إلى العديد من كتابات أخرى. ويرجع تاريخها إلى القرن الثالث الميلادي.

جـ - البردية >P 73< وتشمل على جزء صغير من إنجيل متى.

د- البردية >P 74< و الجدير بالملاحظة هو أنها مخطوطة بردية رغم أنها كتبت في القرن السابع الميلادي، وتضم سفر أعمال الرسل و الرسائل الجامعة في صور قصاصات.

هـ- البردية >P 75< وتضم جزءاً كبيراً من إنجيلي لوقا ويوحنا. وترجع إلى أواخر القرن الثاني أو بعد ذلك بقليل.

وقد تم نشر برديات بودمر - ما عدا البردية >P73< - مع صور فوتوغرافية لها.

و- وأقدم قصاصة معروفة من المخطوطات اليونانية للعهد الجديد - بل لعلها أقدم من البردية >P66<، هي قصاصة صغيرة يرمز إليها بالرمز >P52< وتوجد في مكتبة "جون ريلاندز" (Rylands) في مدينة منشستر بإنجلترا، وهي تضم سطوراً قليلة من الأصحاح الثامن عشر من إنجيل يوحنا. ويرجع تاريخ هذه البردية إلى النصف الأول من القرن الثاني الميلادي، كما سجل ذلك محررها، وكذلك حسب تقدير علماء الكتابات القديمة. وتقدم هذه البردية الدليل على خطأ "نقاد توبنجن" (Tubingen) ، في زعمهم أن الإنجيل الرابع كتب في نحو 160م ، فهذه البردية تثبت أن الإنجيل الرابع كان متداولاً قبل ذلك بوقت طويل حتى أنه وصل في أوائل القرن الثاني إلى أعماق مصر حيث وجدت هذه البردية.

وهناك برديات أخرى موجودة إما فرادى أو في مجموعات في المكتبات في أجزاء مختلفة من أوروبا والولايات المتحدة و الشرق الأوسط.

(1)          المخطوطات بالحروف الكبيرة المنفصلة: يبلغ عدد المخطوطات المكتوبة بالحروف الكبيرة المنفصلة على رقوق من الجلد، نحو مائتين وخمسين مخطوطة تتفاوت أحجامها من قصاصة تضم بضعة آيات إلى مخطوطة تضم العهد الجديد كله وقد كتبت في فترات بين القرن الرابع حتى القرن العاشر الميلادي، ولذلك هي أحدث عهداً من معظم البرديات. ولكن قيمة هذه المخطوطات أكبر من قيمة البرديات لأنها أشمل منها في محتواها، بالإضافة إلى أنه في خلال فترة الكتابة بالحروف الكبيرة المنفصلة، حصلت المسيحية على الاعتراف الرسمي بها في أوائل القرن الرابع، وبالتالي فان معظم هذه المخطوطات تدل على أنها كتبت بيد كتبة مؤهلين . وفيما يلي أهم هذه المخطوطات:

أ - مخطوطة "ألف" (01) أو المخطوطة السينائية ، وترجع الى القرن الرابع الميلادي وتضم العهدين القديم و الجديد كاملين، وهي محفوظة في المتحف البريطاني بلندن. وقصة اكتشاف هذه المخطوطة في دير سانت كاترين في سيناء (ومن هنا اكتسبت اسمها)، على يد قسطنطين تيشندروف (Tischendorf) قصة مثيرة. وتعد هذه المخطوطة من أهم مخطوطات العهد الجديد التي وصلت إلينا، وهي مكتوبة بخط جميل مع بعض الزخرفة، على أربعة أعمدة في كل صفحة. ويبلغ طول كل صفحة خمس عشرة بوصة، وعرضها ثلاث عشرة بوصة. وقد نقلها تيشندورف من سيناء إلى روسيا في 1859م حتى إنه أبى أن يسجلها تحت رقم مبهم في القائمة الأبجدية للمخطوطات بل سجلها تحت أول حرف من حروف الأبجدية العبرية "الألف". وفي 1933م قامت الحكومة البريطانية بشراء هذه المخطوطة من الحكومة السوفيتية بمبلغ مائة ألف جنيه إسترليني.

ب- المخطوطة المرموز لها بالرمز “A(02)” أو المخطوطة الإسكندرية (Codex Alexandrinus) . وهي مخطوطة من القرن الخامس وتشمل معظم العهدين (ولكن ينقصها من العهد الجديد إنجيل متى كله تقريباً وجزء من إنجيل يوحنا، ومعظم الرسالة الثانية إلى كورنثوس)، وهي معروضة في المتحف البريطاني بجانب المخطوطة السينائية. وبعد أن حصل بطريرك القسطنطينية على هذه المخطوطة من الإسكندرية أهداها في 1627م إلى الملك شارل الأول ملك إنجلترا. ويبلغ طول الصفحة فيها ثلاث عشرة بوصة وعرضها عشر بوصات، ومكتوبة على عمودين في كل صفحة، وبها من الزخارف أكثر مما بالمخطوطة السينائية.

جـ- المخطوطة الفاتيكانية >B(03)<: وقد كتبت في منتصف القرن الرابع الميلادي تقريباً، وهي موجودة في مكتبة الفاتيكان منذ القرن الخامس عشر أو قبل ذلك. ولعلها أهم مخطوطة باقية للعهد الجديد، وكانت أصلاً تضم العهدين كليهما وجزءاً من أسفار الأبو كريفا، أما الآن فينقصها معظم سفر التكوين وجزء من المزامير في العهد القديم، وجزء من الرسالة إلى العبرانيين وكل رسائل تيموثاوس الأولى والثانية وتيطس وفليمون وسفر الرؤيا في العهد الجديد. وطول الصفحة مثل عرضها ويبلغ نحو إحدى عشر بوصة. أم النص فمكتوب بخط جميل أنيق بدون زخرفة، وعلى ثلاثة أعمدة في كل صفحة.

د - المخطوطة الأفريقية >C(04)<: وهي أهم مخطوطة باللغة اليونانية للعهد الجديد على رقوق أعيد استعمالها بعد محو الكتابة التي كانت عليها قبلاً. وتوجد هذه المخطوطة في المكتبة القومية في باريس، ويرجع تاريخها إلى القرن الخامس الميلادي، وكانت أصلاً تضم كلا العهدين القديم و الجديد، وفي القرن الثاني عشر تم محو النص الكتابي من عليها فنزعت معظم أوراقها، وما بقي منها كتبت عليه بعض أقوال أفرام السرياني. وقد تمكن تيشندورف من قراءة النص الكتابي ونشره، إلا أنه استخدام الكيماويات في محاولة إظهار الكتابة الأصلية، قد شوه المخطوطة بدرجة كبيرة. وتضم الأجزاء المتبقية من المخطوطة أجزاء من كل أسفار العهد الجديد تقريباً.

هـ ـ المخطوطة البيزية ( Codex Bezae )ويرمز لها بالرمز >D (05 )<: وهي مخطوطة من القرن السادس وتضم الأناجيل الأربعة وسفر الأعمال، وهي محفوظة في مكتبة جامعة كمبردج منذ أن أهداها إليها تيودوربيزا في 1581م. وقد كتب النص على عمود واحد لكل صفحة مع اختلاف في أطوال السطور. والنص فيهما مدون بلغتين هما اليونانية واللاتينية على صفحتين متقابلتين. وترتيب الأناجيل فيها يبدأ بإنجيل متى ثم يوحنا فلوقا ثم مرقس. وتعد الممثل الرئيسي لما يعرف "بالنص الغربي" ( Western text ). ولنصوصها بعض الظواهر المميزة، كما أن سفر الأعمال فيها يزيد بمقدار العشر عن النص المألوف.

و ـ المخطوطة الكلارومونتانية ( Codex claromontantanus ) ويرمز لها بالرمز "( 06 ) D Paul ". وهي محفوظة في المكتبة القومية في باريس، ويرجع تاريخها إلى القرن السادس وتضم كل رسائل الرسول بولس إلى جانب الرسالة إلى العبرانيين، ومن الملفت للنظر أن المخطوطتين المسجلتين تحت الرمز >D< مدونتان بلغتين هما اليونانية واللاتينية على صفحتين متقابلين (اليونانية على الصفحة اليسرى). وقد كتب النص في كلتا المخطوطتين بحيث يكون لكل سطر معنى مستقل، لذلك اختلفت أطوال السطور. وتمثل كلتا المخطوطتين النص الغربي.

ز ـ المخطوطة الأرجوانية البتروبوليتانية ( Codex Purpureus.. Petropolitanus ) ويرمز لها >N(022)< وهي مكتوبة بحروف فضية على رقوق أرجوانية، ومثلها في ذلك >Q(023) Codex ، (042)<، >(043)<. وترجع هذه المخطوطات الأربع إلى القرن السادس الميلادي. ويوجد معظم المخطوطة الأرجوانية >N(022)< في ليننجراد، كما توجد أجزاء منها في أماكن أخرى عديدة .

ح - المخطوطة الفريريانية أو الواشنطينية (Codex Freerianus) وترجع إلى القرن الرابع أو القرن الخامس الميلادي، وهي محفوظة في قسم فرير للفن في معهد سيمشسونيان في واشنطن ويرمز لها بالرمز " W(032) " وهي مثل المخطوطة "D" تضم الأناجيل الأربعة بالترتيب الغربي (أي متى ـ يوحنا ـ لوقا ـ مرقس).

ط - المخطوطة الزاكينيثية (Codex Zacynthius) ويرمز لها بالرمز >14 (040)< وهي محفوظة في مكتبة جمعية التوراة البريطانية في لندن، وهي عبارة عن رقوق مكتوبة بعد محو كتابة سابقة، وترجع إلى القرن الثامن، وتحوي إنجيل لوقا، وهي أقدم مخطوطة معروفة للعهد الجديد، كتب فيها النص الكتابي مع شروحات الآباء، كما أنها المخطوطة الوحيدة الباقية التي كتب فيها النص وتفاسير الآباء بالحروف الكبيرة المنفصلة .

(3) المخطوطات بحروف صغيرة متصلة : والمخطوطات المكتوبة بهذه الطريقة تزيد عدداً عن المخطوطات المكتوبة بالحروف الكبيرة المنفصلة بنسبة عشرة إلى واحد، مع احتمال فقدان نسبة كبيرة من المخطوطات بالحروف الكبيرة المنفصلة أكثر مما فقد من المخطوطات بالحروف الصغيرة وذلك لأن المخطوطات الأولى أقدم من الثانية، كما يدل التفاوت الكبير بين أعداد المخطوطات المتبقية من النوعين، على أن عملية الكتابة بالحروف الصغيرة كانت أسرع وأيسر وأقل تكلفة من الكتابة بالحروف الكبيرة المنفصلة. وأهم المخطوطات المكتوبة بحروف صغيرة هي :

(أ) المخطوطة المرقومة >I<: وهي مخطوطة من القرن الثاني عشر وتضم كل العهد الجديد ما عدا سفر الرؤيا، وهي محفوظة في بازل في سويسرا. وكانت إحدى المخطوطات التي استخدمها " إرازمس " في إعداد أول نسخة مطبوعة من العهد الجديد باليونانية، ويطلق مصطلح العائلة رقم (1) على مجموعة من هذه المخطوطات المكتوبة بحروف صغيرة، وهي المخطوطات :1،118،131،209،1582، وترجع جميعها إلى ما بين القرنين الثاني عشر والرابع عشر، وهي متشابهة جداً في نصوصها، وتختلف إلى حد ما عن نمط النص السائد في سائر المخطوطات المكتوبة بالخط الصغير بصفة عامة .

(ب) المخطوطة المرقومة برقم >2<: وهي من القرن الثاني عشر الميلادي وتضم كل الأناجيل وهي محفوظة في بازل في سويسرا، وقد استخدمها إرازمس أيضاً.

(ج) المخطوطة المرقومة برقم >13<: وترجع إلى القرن الثالث عشر وتضم كل الأناجيل، وهي محفوظة الآن في باريس. وعائلة هذه المخطوطة مكتوبة بالحروف الصغيرة، وشديدة التشابه، وتضم المخطوطات >828,826,788,543,346,124,69,13< وبضع مخطوطات أخرى، وتتميز هذه المجموعة بأن قصة "المرأة التي أمسكت في زنا" وردت بعد "لوقا 21: 38، وليس بعد يو 7: 52". كما أن هناك علاقة وثيقة بين عائلة المخطوطة >13< وعائلة المخطوطة >I< .

(د) المخطوطة المرقومة برقم >33<: وتسمى "ملكة المخطوطات المكتوبة بالخط الصغير"، وذلك بسبب نصها الرائع، وترجع إلى القرن التاسع أو العاشر الميلادي وتضم العهد الجديد كله ما عدا سفر الرؤيا، وهي محفوظة في باريس .

(هـ) المخطوطة المرموقة برقم >81<: وهي واحدة من المخطوطات القليلة التي سجل عليها تاريخ تدوينها، وهو 1044م. وتضم سفر الأعمال في نص رائع. وهي محفوظة في لندن.

(و) المخطوطة المرقومة برقم >565<: وترجع إلى القرن التاسع أو العاشر الميلادي، وتشتمل على الأناجيل الأربعة، وهي محفوظة في لينينجراد، وهي مكتوبة بحروف ذهبية على رقوق أرجوانية، وتعد من اجمل مخطوطات العهد الجديد، ويختلف النص فيها بعض الشيء عن نص المخطوطات العادية المكتوبة بخط صغير، ولكنها تنتمي إلى عائلتي المخطوطات >1<، >13<.

(ز) المخطوطة المرقومة برقم >700<: وترجع إلى القرن الحادي عشر أو الثاني عشر الميلادي، وتختلف بعض الشيء عن النص الشائع في المخطوطات المكتوبة بالحروف الصغيرة، ولكنها تشبه المخطوطة >565< وعائلتي المخطوطتين >I<، >13<. وتشترك المخطوطة “700” مع المخطوطة “162” في تسجيل عبارة " ليأت روحك القدوس علينا ويطهرنا " محل عبارة " ليأت ملكوتك" (لو 11: 2).

(ح) المخطوطة رقم >1424<: ويرجع تاريخها إلى القرن التاسع أو العاشر، وتملكها كلية اللاهوات اللوثرية في "ماي وود" في ولاية إيلينوي الأمريكية، وهي تحتوي على العهد الجديد كله، كما تضم شرحاً لكل أسفار العهد الجديد ما عدا سفر الرؤيا. وتشكل هذه المخطوطة مع المخطوطات المرموز لها بحرف >M< وهي نحو خمس وعشرين مخطوطة، مجموعة أو عائلة من المخطوطات برقم >1424<.

(4) القراءات الكتابية ( Lectionaries ):

ومع أن مخطوطات القراءات الكتابية بدأت أصلاً في فترة الكتابة بالحروف الكبيرة المنفصلة، إلا أن معظم المخطوطات التي وصلتنا منها، مكتوبة بالحروف الصغيرة، ولم تتم سوى دراسات قليلة حول مخطوطات القراءات الكتابية، حتى قامت جامعة شيكاغو في السنوات الأخيرة بدراستها. ففي الأزمنة المبكرة جداً، تم تحديد بعض الفصول الكتابية لقراءتها في كل يوم من أيام السنة، وفي الخدمات الخاصة والمناسبات الخاصة . كما يوجد في عدة مخطوطات للعهد الجديد ـ داخل النص ذاته ـ إشارات إلى بداية بعض القراءات ونهايتها. ومع بداية القرن الرابع، أعدت مخطوطات خاصة كتب فيها العهد الجديد بترتيب خاص ليستخدم في القراءات اليومية، أو للقراءة في السبوت والأحاد، بدءاً بعيد القيامة . ويعرف هذا النوع من كتب القراءات الكتابية اليومية باسم " السنكسار"( synaxarion ). وهناك نوع آخر فيه قراءات لمناسبات خاصة، ويعرف باسم " مينولوجيون" ( menologion ) أو " القراءات الشهرية". وتشمل دروس القراءات الكتابية كل أسفار العهد الجديد ما عدا سفر الرؤيا. أما كتاب القراءات الكتابية الذي يضم دروساً من الأناجيل فيعرف باسم "إيفانجلستريون" (Evangelistarion )أي "الإنجيل". أما الكتاب الذي يضم دروساً من باقي أسفار العهد الجديد، فيعرف باسم "أبوستوليكون" ( Apostolicon ) أي " الرسائل".

وعلاوة على تقديم النص بترتيب مختلف، فإن أولى كلمات درس الكتاب المقدس في كتب القراءات، كانت تعدَّل أحياناَ، لتجنب عدم الترابط أو لتوضيح المقصود (مثل تغيير كلمة "هو" بكلمة "يسوع"). كما أن بعض القراءات كثيراً ما تذكر مسبوقة بعبارة مثل :" وقال الرب لتلاميذه"، أو " وفي ذلك الوقت" أو " وقال الرب لهم هذا المثل" وغيرها.

وقد وصلتنا نحو ألف وثمانمائة مخطوطة للقراءات الكتابية، يتراوح حجمها بين قصاصات صغيرة إلى مخطوطات كاملة. ويضم نحو ثلثي هذه المخطوطات قراءات الأناجيل، ونحو الثلث قراءات من الرسائل. أما الكمية الضئيلة الباقية فتضم مزيجاً من النوعين.

(ب)الترجمات القديمة: لم تكن ترجمة الأعمال الأدبية من لغة إلى أخرى أمراً مألوفاً في الأزمنة القديمة. وفي الأحوال التي تم فيها ذلك، لم تكن الترجمة من الدقة بحيث يمكن تحديد كلمات النص الأصلي. والترجمة اليونانية للعهد القديم ـ والمعروفة بالسبعينية ـ هي في الحقيقة الترجمة الوحيدة التي يمكن الاعتماد عليها بصفة عامة.

وبانتشار رسالة الإيمان المسيحي، بدأ المرسلون في ترجمة الكتاب المقدس إلى لغة الشعوب التي يخدمون بينها، ولأن هذه الترجمات كانت ـ بعامة ـ ترجمات أمينة للغة الأصلية، فإنها تقدم لنا أدلة مؤيدة لصحة نصوص العهد الجديد.

ويجب مراعاة بعض الحذر عند استخدام أي ترجمة دليلاً على النص اليوناني الأصلي الذي ترجمت عنه، فإن امتلاك المترجم لناصية اللغة اليونانية واللغة التي يترجم إليها، له أثره في سلامة ترجمته. ولكن لابد من احتمال وجود بعض الأخطاء في الترجمة. كما ينبغي إدراك أن هناك خصائص لغوية لا نظير لها في اللغة الأخرى، فمثلاً ليس في اللاتينية أداة تعريف، ومن ثم فالكلمة في اللاتينية قد تكون منقولة عن كلمة يونانية معرفة أو نكرة. وعند الترجمة من لغة إلى أخرى، يعتمد المعنى إلى حد بعيد على ترتيب الكلمات، ومن ثم لا يمكن الاعتماد عليها في معرفة ما حدث من تغيير في ترتيب الكلمات الأصلية في اليونانية. علاوة على ذلك لم تصل إلينا المخطوطة الأصلية لأي ترجمة قديمة، ولابد لدارس النصوص أن يبني دراسته على نسخ قد تتضمن أخطاء النقل إلى جانب ما حدث من تغييرات في الترجمة في تاريخ لاحق، ومن ثم فلابد أن تخضع الترجمة ذاتها للنقد لتحقيق النص الأصلي للترجمة بقدر المستطاع، وذلك قبل استخدام هذه الترجمة في تحقيق النص الكتابي.

وليس للترجمة في حد ذاتها أهمية كبيرة في نقد النصوص، ولكن أهميتها تتوقف على ما تتيحه هذه الترجمة من معرفة النص اليوناني الذي نقلت عنه، ولو عرفنا تاريخ الترجمة بالتقريب، لأمكن الاستدلال على النص الذي كان مستخدماً في ذلك التاريخ في المنطقة الجغرافية التي تمت فيها الترجمة.

ونعرض فيما يلي لأهم الترجمات القديمة للعهد الجديد :

1 ـ الترجمات السريانية :رغم أن السريانية كانت لهجة من لهجات اللغة الآرامية التي كانت مستخدمة في فلسطين في أيام الرب يسوع على الأرض، فإن الترجمات السريانية ـ التي وصلتنا ـ مترجمة جميعها عن أصول يونانية، ومن ثم فهي أقل قيمة من المخطوطات اليونانية. وأهم الترجمات السريانية :

(أ) الدياطسرون ( Diatesseron ): رغم أنه ليس معروفاً تماماً إن هذا الكتاب قد كتب أصلاً باللغة السريانية أو باليونانية، إلا أنه يمكن اعتباره من النسخ السريانية، وذلك بسبب تأثيره الكبير على الكنيسة السريانية .

قام بكتابة الدياطسرون (ومعناه :"من خلال الأربعة") في منتصف القرن الثاني الميلادي، رجل اسمه تاتيان ( Tatian ) كقصة واحدة متصلة تجمع بين مواد مأخوذة من الأناجيل الأربعة. وقد عثر في منطقة الشرق الأوسط في 1933م على قصاصة باللغة اليونانية من الدياطسرون يعتقد أنها ترجمت عن السريانية. والأرجح أن الدياطسرون قد ترجم إلى اللاتينية في حياة تاتيان. ولا توجد مخطوطة للدياطسرون بصورته الأصلية في السريانية، ولكن وصلنا جزء من شرح له في السريانية بقلم أفرايم السرياني (378م)، ويعتبر أهم مصادر معرفتنا بالدياطسرون. وقد احتفظت لنا ترجمة أرمينية بكل شرح أفرايم له. كما توجد جملة مخطوطات له في العربية وكذلك في الفارسية: وقد ترك الدياطسرون تأثيراً كبيراً في الشرق وبخاصة في الكنائس السريانية والآرمينية والجورجيانية. كما يظهر تأثير الدياطسرون في التوفيقات بين الأناجيل الأربعة، التي كتبت بعد ذلك في لغات أخرى.

(ب)السريانية القديمة : وبالإضافة إلى الدياطسرون، تمت ترجمة بعض أجزاء من العهد الجديد أو تجميعها إلى السريانية في بداية القرن الثالث أو قبل ذلك. وقد وصلت إلينا هذه الترجمة المبكرة في مخطوطتين للأناجيل : إحداهما مخطوطة من القرن الخامس قام بنشرها "وليم كورتون" في 1858م وتعرف باسم مخطوطة "كورتون السريانية" ويرمز لها بالرمز “Syr c” . والثانية هي مخطوطة من القرن الرابع ـ كتبت فوق كتابة سابقة تم محوها ـ اكتشفت في دير سانت كاترين على جبل سيناء في 1892م وتعرف باسم مخطوطة "سيناء السريانية" ويرمز لها بالرمز “Syr s” . والأختلاف بين هاتين المخطوطتين يزيد عن مجرد اختلاف عادي بين أي مخطوطتين لنفس النص. ولعل مخطوطة سيناء السريانية أقدم تاريخاً، وما مخطوطة "كورتون السريانية" إلا تنقيح لاحق لها.

(ج) البشيطة أو البسيطة ( Peshita ) : في أواخر القرن الرابع تمت ترجمة جديدة للعهد الجديد إلى اللغة السريانية. ولم تشمل هذه الترجمة رسالة بطرس الرسول الثانية وكذلك رسالتي يوحنا الثانية الثالثة ورسالة يهوذا وسفر الرؤيا. ويرمز لهذه الترجمة بالرمز “Syr p” .وحيث أن الكنيسة السريانية بقسميها تقبل هذه الترجمة، فلابد أنها كانت مستخدمة قبل انقسام الكنيسة السريانية أي قبل 431م. وما زالت "الترجمة البشيطة" مستخدمة (وقد أضيفت إليها الأسفار التي تنقصها، نقلاً عن ترجمة "فيلو كسينيوس"). وتوجد منها أكثر من ثلاثمائة مخطوطة، يرجع بعضها إلى القرنين الخامس والسادس بعد الميلاد .

(د) ترجمة فيلوكسينوس: في 508 م قام شخص اسمه "بوليكاربوس" (Polycarp) بترجمة كاملة للعهد الجديد إلى اللغة السريانية ليقدمها إلى "فيلوكسينيوس" (Philoxenius) أسقف "مابوج" (Mabug) في سوريا. ويرمز لهذه الترجمة بالرمز "Syrph". ولعل الجزء الوحيد الذي وصلنا من هذه المخطوطة هو ترجمة رسائل بطرس الثانية ويوحنا الثانية والثالثة ويهوذا وسفر الرؤيا غير الموجودة في البشيطة).

(هـ) الترجمة الهركلية : لا نعلم بالضبط ما إذا كان توماس الهركلي ـ أسقف مابوج الذي خلف فيلو كسينيوس قد أعاد إصدار ترجمة فيلو كسينيوس في 616م مع إضافة بعض الملحوظات الهامشية نقلاً عن بعض المخطوطات اليونانية، أو أنه قام بتنقيح شامل لها مع إضافة بعض القراءات في هوامشها، اعتقد هو بأهميتها، لكنه لم يجد مبرراً لوضعها في المتن. ولو صح هذا الغرض لكان الأثر الوحيد الباقي من ترجمة فيلو كسينيوس هو المخطوطة المشار إليها آنفاً، ويرمز لها بالرمز >Syr h<. ولهذه القراءات الهامشية في الترجمة الهركلية أهمية خاصة في نقد النصوص وبخاصة في سفر أعمال الرسل .

(و) الترجمة الفلسطينية : يرجح أنه في القرن الخامس تمت ترجمة سريانية أخرى ليس لها ارتباط وثيق بالترجمات السريانية الأخرى، وتعرف باسم "الترجمة الفلسطينية" ويرمز لها بالرمز “Syr pal” . وتنفرد هذه الترجمة بأنها مدونة على صورة قراءات كتابية، وقد وصلت إلينا في ثلاث مخطوطات من القرنين الحادي عشر والثاني عشر، ولعلها ترجمت أصلاً عن كتاب قراءات كتابية باللغة اليونانية .

2ـ الترجمات اللاتينية :

(أ) الترجمة اللاتينية القديمة (إيطالا Itala ): رغم أن اللغة اليونانية كانت هي اللغة الشائعة في الحديث والكتابة في معظم أرجاء الإمبراطورية الرومانية إبان القرنين الأولين أو القرون الثلاثة الأولى من العصر المسيحي، إلا أنه سرعان ما ظهرت الحاجة إلى ترجمة لاتينية للكتاب المقدس. وفي نهاية القرن الثاني أصبحت الأناجيل ـ وربما العهد الجديد كله ـ متداولة باللغة اللاتينية في شمالي أفريقيا، وسرعان ما انتشرت هذه الترجمة في سائر أجزاء الإمبراطورية . وتختلف مخطوطات الترجمة اللاتينية القديمة ( التي يرمز لها بالرمز OL أو IT من Itala ) فيما بينهما اختلافاً كبيراً حتى ليبدو أن الترجمة اللاتينية لم تكن ترجمة واحدة بل ترجمات عديدة، مما يتفق مع قول أوغسطينوس من أنه في الأيام الأولى من العصر المسيحي، حاول كل من لديه مخطوطة يونانية، وعلى دراية باللغتين اليونانية واللاتينية، أن يترجم الأسفار المقدسة إلى اللاتينية. وما بهذه الترجمات من ألفاظ دارجة وتعبيرات بسيطة، يؤيد النظرية القائلة بأنها قد ظهرت أصلاً بين عامة الشعب. وليس بين المخطوطات الخمسين ـ أو نحو ذلك ـ المعروفة لهذه الترجمة، مخطوطة تحوي العهد الجديد كاملا، وإن كانت في مجموعها تحوي الجزء الأكبر منه. ويرجع تاريخ هذه المخطوطات إلى مابين القرن الرابع والقرن الثالث عشر، مما يدل على أن الترجمة اللاتينية القديمة " OL " ظلت مستخدمة زمناً طويلاً بعد أن حلت "الفولجاتا" محلها رسمياً.

(ب) ترجمة جيروم أو الفولجاتا : وبمرور الوقت اتضحت الاختلافات الكبيرة فيما بين الترجمات اللاتينية القديمة، وأصبحت غير مقبولة .وفي عام 382م، قام البابا "داماسوس"( Damasus ) بتكليف "جيروم" ـ أنبغ علماء الكتاب المقدس في عصره ـ بأن يعكف على تنقيح الترجمة اللاتينية لتكون مطابقة لليونانية. ومن خلال عامين استطاع جيروم أن ينتهي من مراجعة الأناجيل الأربعة معلناً أنه لم يغيَّر من الكلمات اللاتينية إلا ما شعر بلزوم تغييره. كما انتهى بعد ذلك من مراجعة بقية العهد الجديد، ولو أنها كانت مراجعة سريعة. ويشك البعض في قيام جيروم بمراجعة ما يزيد عن الأناجيل الأربعة .

والتنقيح الذي أجراه جيروم والمعروف باسم "الفولجاتا" أو الترجمة الدارجة ـ وقد أعيد تنقيحها عدة مرات على مدى القرون ـ هو أساس الترجمة الرسمية في الكنيسة الكاثوليكية الرومانية. وقد وصلنا نحو ثمانية آلاف مخطوطة من الفولجاتا اللاتينية، وهو ضعف عدد المخطوطات اليونانية، مما يرجح أن الفولجاتا كانت أكثر الكتب القديمة شيوعاً.

3ـ الترجمات القبطية : في العصور الأولى للمسيحية، تطورت الأبجدية المصرية القديمة باستخدام الحروف اليونانية مع بعض الحروف التي أخذت عن الكتابة الديموطيقية القديمة، التي اشتقت هي والهيراطيقية من الكتابة الهيروغليفية الأقدم عهداً. وانتشرت ست لهجات فيما بين دلتا النيل حتى جنوبي البلاد . وأهم هذه اللهجات بالنسبة لدراسة العهد الجديد هي :

(أ)الصعيدية : بدأت ترجمة أجزاء من العهد الجديد إلى اللهجة الصعيدية ـ التي كانت مستخدمة في منطقة طيبة وما وراءها ـ في أوائل القرن الثالث، ولم يمض قرن من الزمان حتى كان كل العهد الجديد قد ترجم إلى اللهجة الصعيدية. والمخطوطات التي وصلتنا ـ والتي ترجع إلى القرن الرابع والقرن السادس ـ تحتفظ لنا بالعهد الجديد كله تقريباً مترجماً إلى هذه اللهجة .

(ب)البحيرية : وكانت هذه هي اللهجة المستخدمة في الإسكندرية ومصر السفلى. ويبدو أن العهد الجديد قد ترجم إلى البحيرية في زمن متأخر عن زمن ترجمته إلى الصعيدية، ولعل هذا كان يرجع إلى أنه في الإسكندرية ـ العاصمة الثقافية ـ لم يشعروا بالحاجة إلى ترجمته إلا في زمن لاحق . وقد وصلنا ما يزيد عن مائة مخطوطة للعهد الجديد باللهجة البحيرية، ولكن أقدمها يعود تاريخ كتابتها إلى القرن الثاني عشر، مما دعا بعض العلماء إلى افتراض تاريخ متأخر جداً للترجمة الأصلية إلى اللهجة البحيرية، ولكن ظهور مخطوطة إنجيل يوحنا المكتوبة على ورق البردي باللهجة البحيرية ـ والتي ترجع إلى القرن الرابع والموجودة في مجموعة مكتبة بودمر ـ يدل على أن الترجمة إلى اللهجة البحيرية تعود أصلاً إلى القرن الرابع أو إلى ما قبله.

(ج) لهجات مصر الوسطى : وما بين المنطقتين السابقتين (الصعيدية والبحيرية)، قد ترجمت ـ ولابد ـ أجزاء من العهد الجديد إلى لهجات أخرى من لهجات اللغة القبطية، فقد وصلتنا مخطوطات لإنجيل يوحنا باللهجة الفيومية واللهجات الاخميمية. كما توجد مخطوطات بالاخميمية تحتوي على أجزاء من الأناجيل والرسائل الجامعة ترجع إلى القرن الرابع أو القرن الخامس .

4ـ الترجمة القوطية : ترجم العهد الجديد إلى اللغة القوطية في منتصف القرن الرابع الميلادي بواسطة "أولفيلاس" (Ulfilas ) الذي ينسب إليه "متزجر" (Metzger ) وآخرون فضل تطويع اللغة القوطية لتصبح لغة كتابة أيضاً. وقد وصلتنا هذه الترجمة في نحو ست مخطوطات ترجع إلى القرنين الخامس والسادس، وجميعها على هيئة قصاصات. وما زالت هناك مخطوطة في مكتبة جامعة أوبسالا في السويد، وتسمى بالمخطوطة الفضية لأنها مكتوبة بحبر فضي على رقوق جلدية أرجوانية، وتضم أجزاء من الأناجيل. أما بقية المخطوطات القوطية فمكتوبة على ورق أعيد استخدامها بعد محو الكتابة القديمة من عليها.

5 ـ الترجمة الأرمينية : ترجم العهد الجديد من اليونانية إلى اللغة الأرمينية مباشرة في النصف الأول من القرن الخامس بواسطة القديس "مصروب" (Mesrop ) الذي ابتكر الأبجدية الأرمينية أيضاً بمساعدة القديس "اسحق" (Sahake ). وهناك تقليد آخر يقول إن الذي قام بالترجمة هو القديس اسحق عن السريانية. وتم تنقيح هذه الترجمة فيما بعد لتصبح في القرن الثامن هي الترجمة السائدة، ولتصبح أساس الكتاب المقدس في اللغة الأرمينية، الذي ما زال مستخدماً حتى الآن. ولا تعتبر هذه الترجمة الأرمينية جميلة ودقيقة فحسب، بل يوجد أيضاً من مخطوطاتها أكثر من 1500 مخطوطة وهو ما يزيد عن مخطوطات أي ترجمة أخرى للعهد الجديد. ويرجع معظم هذه المخطوطات إلى القرن التاسع وما بعده، وهي تمثل الصورة المنقحة للترجمة الأصلية.

6 ـ الترجمة الجورجانية : ( Georgian ): دخلت المسيحية في القرن الرابع إلى جورجيا الواقعة بين البحر السود وبحر قزوين . أما أصل هذه الترجمة الجورجانية فليس مؤكداً. ولكن البعض ينسبونها إلى القديس "مصروب" الذي ارتبط اسمه بالترجمة الأرمينية. كما أنها ترجع إلى القرن الرابع أو أوائل القرن الخامس. ومن الواضح أنها ترجمت عن الأرمينية أو على الأقل تأثرت بها إلى حد بعيد. وقد تم آخر تنقيح لها في نحو القرن الحادي عشر، وهذا التنقيح هو أساس الترجمة الجورجانية التي ما زالت مستخدمة حتى الآن . وتوجد منها مخطوطات كثيرة، ولكن ثلاث مخطوطات منها ـ ترجع إلى القرنين التاسع والعاشر ـ تحتفظ بالكثير من عناصر الترجمة الجورجانية القديمة .

7ـ الترجمة الإثيوبية : هناك نحو مائة مخطوطة معروفة للترجمة الإثيوبية، لكن ليس فيها ما يرجع إلى ما قبل القرن الثالث عشر، مما يزيد من مشاكل تحديد اصل الترجمة الإثيوبية، مع وجود رأيين متطرفين، يرجع بها أحدهما إلى القرن الثاني، والآخر إلى القرن الرابع عشر، إلا أن الأرجح أنها ترجع إلى القرن السادس تقريباً، ويحتمل أنها ترجع إلى ما قبل ذلك. وقد ترجمت عن السريانية أو لعلها ترجمت عن اليونانية مباشرة.

8 ـ الترجمة السلافية: يرجع الفضل في ترجمة العهد الجديد إلى اللغة السلافية إلى القديس كيرلس وأخيه ميثوديوس، ويبدو أنهما قد ابتكرا صورتي الأبجدية السلافية "الكيرلسية" و"الجلاجوليتية". وقد ترجم هذان الخوان ـ اللذان كرزا للسلافيين ـ العهد الجديد إلى اللغة السلافية في النصف الثاني من القرن التاسع، ولعلها كانت أصلاً على شكل قراءات كتابية، وهي الصورة الموجودة في معظم المخطوطات السلافية الموجودة بين أيدينا.

(9) ترجمات أخرى : ترجم العهد الجديد إلى اللغة العربية في بضع ترجمات بعد القرن السابع الميلادي وانتشار اللغة العربية في بلاد الشرق الوسط، وكانت إحدى هذه الترجمات بأسلوب النثر المسجوع، وتمت هذه الترجمات نقلاً عن ترجمات في لغات أخرى وليس عن الأصل اليوناني. كما توجد بضع مخطوطات من ترجمة إلى اللغة الفارسية ترجع إلى القرن الرابع عشر وما بعده. وقد ظهرت منذ القرن الثامن ترجمة باللغة الفرنكية ( Frankish ) وهي اللغة التي كانت منتشرة في غربي ووسط أوروبا . وهناك مخطوطة لجزء من إنجيل متى باللغتين الفرنكية واللاتينية. كما توجد قصاصات باللغة السوجدانية ـ وهي لغة التجارة في جنوبي وسط أسيا ـ ترجع إلى القرن العاشر الميلادي. كما يوجد جزء من مخطوطة لبعض القراءات الكتابية ترجع بها إلى القرن العاشر بلغة نوبية ـ وهي اللغة التي كان يتحدث بها أهل المنطقة الواقعة بين مصر وإثيوبيا. كما توجد تسع مخطوطات باللغة الأنجلوسكسونية ترجع إلى ما بين القرنين الحادي عشر والثالث عشر .

ورغم أن بعض ترجمات العهد الجديد كانت موضع دراسة جادة بذل فيها جهد يستحق التقدير، إلا أن هناك الكثير الذي يجب القيام به فيما يختص بهذه الترجمات المختلفة ليصبح لها إسهامها الواضح في دراسة نصوص العهد الجديد.

(ج) اقتباسات الآباء : بالإضافة إلى المخطوطات اليونانية للعهد الجديد وغيرها من الترجمات القديمة إلى اللغات الأخرى، فإن اقتباسات آباء الكنيسة الأولين من الكتاب المقدس، تمثل مصدراً هاماً من مصادر معرفة نصوص العهد الجديد، وقد دونت معظم أعمال أولئك الآباء باليونانية أو باللاتينية، والقليل منها بالسريانية وبعض اللغات الأخرى. وهذه الاقتباسات من الوفرة بحيث يمكن ـ في الحقيقة ـ إعادة تجميع نصوص العهد الجديد منها وحدها .

وكما هو الحال في الترجمات، هناك حدود لاستخدام كتابات الآباء كمصدر يساعدنا على تحقيق نصوص العهد الجديد، فأصول هذه الكتابات لم تصل إلينا، ولذلك كان لزاماً على من يقوم بدراسة هذه الكتابات أن يفحص نصوصها فحصاً نقدياً ليحقق ـ بقدر الإمكان ـ كلماتها الأصلية، وبخاصة ما فيها من اقتباسات من العهد الجديد. حيث أن هذه الاقتباسات من العهد الجديد ـ التي تضمنها كتابات الآباء ـ هي بذاتها الأجزاء التي قد يغيرها الكاتب عمداً، متى كان النص المقتبس ـ مثلاً ـ لا يتفق مع النص المألوف للكاتب. وحتى إذا أمكن تحقيق الصورة الأصلية للاقتباس في كتابات الآباء، فقد يكون الكاتب قد أعطى المعنى العام للفقرة بدلاً من نقلها حرفياً،أو إذا كان الكاتب (أو من يملي عليه) يكتب الاقتباس من الذاكرة وليس نقلاً عن مخطوطة للعهد الجديد، وبذلك تصبح قيمة هذه الفقرة محدودة فيما يختص بنقد النصوص. ففي القرن الرابع مثلاً، بنى كيرلس الأورشليمي تعليماً خاصاً بالعشاء الرباني على ما يقول هو إنه نقل لعبارات الرسول بولس، مع أن اقتباساته لم تكن مأخوذة عما جاء عن العشاء الرباني في 1كو 11: 23 ـ 25 ولا في أي جزء مقابل لها في الأناجيل، بل بالحري دمج عدداً من الفقرات المختلفة نقلاً عن الذاكرة كما هو واضح في أقواله. والأرجح أن الاقتباسات الطويلة كانت تنقل مباشرة عن مخطوطة أكثر مما في حالة الاقتباسات القصيرة.

وكما في الترجمات، فإن لاقتباسات الآباء أهميتها لِما تقدمة لنا من المعلومات عن نصوص العهد الجديد، ويمكن عن طريقها تحديد صورة النص الذي استخدمه كل واحد منهم، ولابد أنه كان النص الشائع في المنطقة التي كان يقيم فيها وفي العصر الذي عاش فيه، وبعبارة أخرى : إن اقتباسات الكاتب تشكل مخطوطة لجزء من العهد الجديد الذي كان مستخدماً في تلك المنطقة وفي ذلك العصر. كما أن الكتَّاب القدامى كانوا يشيرون - أحياناً - إلى القراءات المختلفة التي كانوا يعلمون بوجودها في مخطوطات العهد الجديد، وقد يدلون بآرائهم في هذه القراءات. وإليك قائمة بأسماء قليلة من أشهر آباء الكنيسة:

              إيريناوس (حوالي 140 ـ 210) أسقف ليون.

      ترتليانوس (حوالي 150 ـ 240) من قرطاجنة ويعد من أغزر الآباء اللاتينين إنتاجاً .

      أوريجانوس (حوالي 185 ـ 254) من الإسكندرية ثم عاش في قيصرية، وهو صاحب مؤلفات تفسيرية هامة وغيرها من الكتب.

      يوسابيوس البامفيلي أسقف قيصرية (حوالي 313 ـ 340) مؤلف تاريخ الكنيسة وغيره من الكتب.

      أثناسيوس الرسولي أسقف الإسكندرية (من 328 ـ 373) ومؤلف كتب للدفاع عن العقيدة المسيحية وتفنيداً لآراء الأريوسيين وهو بطل مجمع نيقية المسكوني.

      غريغوريوس النزنيزي من كبادوكية (حوالي 330 ـ 389)، وله 45 عظة مكتوبة مع أعمال أخرى.

      غريغوريوس أسقف نصيص في كبادوكية (المتوفي في 394) صاحب مؤلفات تفسيرية وعقائدية وتنسكية.

      أمبروزيوس أسقف ميلان (374 ـ 397) كتب تفسيراً لإنجيل لوقا، وله مؤلفات أخرى.

      يوحنا فم الذهب (حوالي 344 ـ 407) بطريرك القسطنطينية ـ ومن أشهر الوعاظ (ومن هنا جاء اسمه "فم الذهب") وكتاباته الباقية أكثر مما لأي كاتب آخر من الآباء .

      جيروم أو إيرونيموس (حوالي 331 ـ 420) وهو الذي قام بترجمة الكتاب المقدس إلى اللاتينية، الترجمة المعروفة باسم "الفولجاتا"، كما كتب الكثير من التفاسير باللاتينية.

      أوغسطينوس (354 ـ 430) أسقف هبو في شمالي أفريقيا، وصاحب مؤلفات فلسفية وعقائدية وتفسيرية عديدة.

      كيرلس أسقف الإسكندرية (412 ـ 444) صاحب كتب دفاعية وتفسيرية كثيرة.

ورغم الأهمية الكبيرة لاقتباسات الآباء في تحقيق نصوص العهد الجديد، فما زال هناك الكثير مما يجب عمله سواء في تحقيق هذه الكتابات أو تحليل اقتباساتهم من العهد الجديد.

 

رابعاً : نقل نصوص العهد الجديد :

(أ‌)   قبل اختراع الطباعة:

(1)ظهور اختلافات في النصوص: عندما كتبت أسفار العهد الجديد كانت أصلاً عملاً خاصاً أكثر منه عملاً أدبياً بالمعنى المفهوم، وكان هذا صحيحاً بالنسبة لمعظم رسائل العهد الجديد ـ بخاصة ـ فقد كانت رسائل موجهة لأفراد وجماعات، بل إن الأناجيل نفسها قد كتبت لهدف يختلف عن هدف أي عمل أدبي عادي. ولهذا فعند نسخ أي سفر من أسفار العهد الجديد ـ في تلك الفترة المبكرة ـ كان ينسخ للاستعمال الشخصي بواسطة كاتب غير متخصص، وعلاوة على ذلك، فإنه لما كان فحوى السفر أو الرسالة هو أهم شيء، لم يكن الناسخ يحس ـ بالضرورة ـ أنه ملزم بنقل النص بنفس ترتيب الكلمات أو التفاصيل التي لا تؤثر في المعنى. أما في حالة الأسفار التاريخية، فكان الناسَّاخ ـ على ما يبدو ـ يشعرون أحياناً بحرية إضافة بعض التفصيلات الصغيرة للتوضيح. وفضلاً عن ذلك، لم تكن للديانة المسيحية ـ في الفترة المبكرة للعهد الجديد ـ لدى السلطات السياسية مكانة تشجع على القيام بمقارنة واسعة لمخطوطات العهد الجديد في ذلك العصر، كما أنه من العسير تحاشي الاختلافات والأخطاء حتى مع افتراض أفضل النوايا في الدقة عند الناسخ، ومن ثم تجمعت كل هذه العوامل فنتج عنها وجود بعض الاختلافات بين المخطوطات في الفترة الأولى بعد أن تمت كتابة كل أسفار العهد الجديد. واستمرت هذه الفترة إلى أن حصلت المسيحية على اعتراف السلطات بها رسمياً في أوائل القرن الرابع، وإن يكن معظم هذه الاختلافات ـ التي لها أهميتها في تحقيق النصوص ـ قد ظهرت في النصف الأول من تلك الفترة .

وفي نفس الوقت يجب عدم المغالاة في أهمية هذه الاختلافات، فمما لا شك فيه أن أسفار العهد الجديد ـ حاليا بدأ تداولها ـ أصبحت تعتبر أعمالاً أدبية، وأصبح لزاماً على ناسخيها أن يحرصوا أشد الحرص في نقلها لسببين، هما : الحفاظ تماماً على نفس كلمات النص المقدس، علاوة على الالتزام العام عند نسخ أي عمل أدبي .

وقد أدت الاختلافات التي حدثت بين المخطوطات ـ نتيجة لتكرار النسخ ـ إلى ظهور "عائلات" أو "مجموعات" من المخطوطات أو ما يعرف باسم "النصوص المحلية". وقد حمل المسيحيون نسخ العهد الجديد بخصائصها واختلافاتها إلى مختلف البلاد والمناطق. ومع تكرار نسخ كل مخطوطة، كانت النسخ الجديدة تشتمل على مجموعة الاختلافات في المخطوطة المنقول عنها، أي المخطوطة الأم، كما كانت تختلف بدرجة أكبر عن النسخ المنقولة عن مخطوطات أخرى في الأماكن المختلفة. وعلى هذا فإن الخصائص المشتركة بين مجموعة من المخطوطات تدل على مصدرها المشترك، كما تميزها عن المجموعات الأخرى. وفي بعض الأحيان، يمكن أن تنسب مجموعة من المخطوطات إلى منطقة معينة وزمن معين من خلال ما فيها من اختلافات مميزة لكتابات أحد آباء الكنيسة أو تلك الموجودة في إحدى الترجمات في زمن محدد ومكان معين .

وعندما حصلت المسيحية على الاعتراف الرسمي بها في عهد الإمبراطور قسطنطين، لم تعد هناك حاجة لإخفاء مخطوطات العهد الجديد، بل سرعان ما أصدر الإمبراطور نفسه أمراً بعمل نسخ من الكتاب المقدس لكنائس القسطنطينية. والواضح أنه لم يمض وقت طويل حتى عملت مقارنة بين المخطوطات، واكتشفت الاختلافات التي بينها، وبخاصة المخطوطات الموجودة في البلاد المختلفة. وفي غضون القرون الثلاثة التالية، حدث تقارب بين المخطوطات، سواء كان ذلك عن قصد وبطريقة رسمية، أو عن غير قصد وبطريقة غير رسمية، وازدادت المخطوطات المستنسخة خلال هذه الفترة تطابقاً لتكون على صورة واحدة. وقد أصبح ميسوراً الحفاظ على هذه الصورة لأن عملية نسخ المخطوطات أصبح يقوم بها ـ في الغالب ـ نسَّاخ متخصصون ومدربون .

بالإضافة إلى ذلك كان هناك نوع من التنقيح مما نتج عنه ـ إلى حد ما ـ توافق بين العبارات ووصف الأحداث المتناظرة في الأناجيل، وكذلك تصويب الأخطاء النحوية، فأصبح النص سلساً تسهل قراءته.

إن أكثر من تسعين في المائة من مخطوطات العهد الجديد الموجودة بين أيدينا الآن، ترجع إلى هذه الفترة أو بعدها، وعليه فإن نسبة مئوية صغيرة من المخطوطات هي التي احتفظت بصورة للنص ترجع إلى ما قبل النص الموحَّد. ومع أن نسخ المخطوطات باليد يعني أنه لا يمكن أن توجد فعلياً مخطوطتان متطابقتان تماماً، إلا أن كل المخطوطات تقريباً ـ بداية من القرن الثامن فصاعداً ـ تمثل الصورة الموحَّدة. وقد استمرت هذه الصورة للنص إلى أن أحدث اختراع الطباعة ثورة في عالم الكتب.

(2) أنماط من الاختلافات : كان الناسخون سبباً في وقوع أنواع من الاختلافات في مخطوطات العهد الجديد يمكن تصنيفها كالآتي :

(1) اختلافات عفوية : (أو عن غير عمد) أو أقل تكراراً، وتشمل هذه الاختلافات العفوية أخطاء النظر والسمع والذاكرة والكتابة والاجتهاد.

أما أخطاء النظر فتشمل الالتباس بين الحروف المتشابهة وبخاصة في الكتابة بالحروف الكبيرة المنفصلة، أو الخلط بين أحد الاختصارات وكلمة معينة قريبة الشبه به، وقد تنتقل عين الناسخ من كلمة إلى الكلمة نفسها ولكن في موضع لاحق فيسقط بذلك الكلمات المتوسطة بينهما. وقد يقرأ الكلمة الواحدة أو العبارة الواحدة مرتين، أو قد يخلط بين كلمتين متقاربتين في الحروف .

وقد تنشأ أخطاء السمع عندما تكتب جماعة من النسَّاخ المخطوطات عن طريق الاملاء، وبخاصة لتشابه بعض الحروف في نطقها، كما قد يخطئ الناسخ في هجاء بعض الكلمات .

أما أخطاء الذاكرة فقد ينتج عنها تغيير موضع الكلمة في الجملة، أو استبدال كلمة بما يرادفها، أو أن تدخل كلمة أو عبارة عفواً نقلاً عن فترة مماثلة تحويها الذاكرة.

أما أخطاء الكتابة فقد تشمل إضافة أو حذف حرف أو عدة حروف أو حذف علامات الاختصار، او تكرار كلمة أو عبارة أو حرف.

أما أخطاء الاجتهاد ـ بالإضافة إلى الأخطاء السابقة ـ فقد تدفع الناسخ إلى تسجيل ملحوظة هامشية باعتبارها جزءاً من النص نفسه، ويجد البعض في هذا تفسيراً لما ورد في إنجيل يوحنا (5: 3و4) عن تحريك الماء، حيث يغلب أنها كانت عبارة هامشية أدخلها الناسخ في النص.

(2) اختلافات مقصودة : وقعت هذه الاختلافات المقصودة نتيجة لمحاولة النسَّاخ تصويب ما حسبوه خطأ، أو لزيادة إيضاح النص أو لتدعيم رأي لاهوتي. ولكن ـ في الحقيقة ـ ليس هناك أي دليل على أن كاتباً ما قد تعمد إضعاف أو زعزعة عقيدة لاهوتية أو إدخال فكر هرطوقي.

ولعل أبرز تغيير مقصود هو محاولة التوفيق بين الروايات المتناظرة في الأناجيل. وهناك مثالان لذلك: فالصورة المختصرة للصلاة الربانية في إنجيل لوقا (11: 2ـ4) قد أطالها بعض النسَّاخ لتتفق مع الصورة المطولة للصلاة الربانية في إنجيل متى (6: 9ـ13). كما حدث نفس الشيء في حديث الرب يسوع مع الرجل الغني في إنجيل متى ( 19: 16و17) فقد أطالها بعض النسَّاخ لتتفق مع ما يناظرها في إنجيل لوقا ومرقس .

وفي قصة الابن الضال في إنجيل لوقا (15: 11 ـ 32) نجد أنه رجع إلى نفسه وقرر أن يقول لأبيه: " ... اجعلني كأحد أجراك "(لو 15: 19) فأضاف بعض النسَّاخ هذه العبارة إلى حديث الابن لأبيه في العدد الحادي والعشرين .

وقد حدثت أحياناً بعض الإضافات لتدعيم فكر لاهوتي، كما حدث في إضافة عبارة "واللذين يشهدون في السماء هم ثلاثة"(1يو5: 7) حيث أن هذه العبارة لا توجد في أي مخطوطة يونانية ترجع إلى ما قبل القرن الخامس عشر، ولعل هذه العبارة جاءت أصلاً في تعليق هامشي في مخطوطة لاتينية، وليس كإضافة مقصودة إلى نص الكتاب المقدس ، ثم أدخلها أحد النسَّاخ في صلب النص .

ورغم وجود الاختلافات بين آلاف المخطوطات، إلا أنها اختلافات تافهة جداً إذا قيست بضخامة ما تحويه المخطوطة من كلمات، فقد كان النسَّاخ يراعون نقل هذه النصوص بعناية فائقة حتى ولو بدا لهم النص عسير الفهم أو غامض المعنى.

(ب) طبع العهد الجديد باليونانية:

كان لاختراع يوحنا جوتنبرج الطباعة في منتصف القرن الخامس عشر أعمق النتائج في عالم الأدب والثقافة، فقد أمكن ـ لأول مرة ـ إصدار كتب أرخص تكلفة عن ذي قبل، إلى جانب إمكانية إنتاج أي عدد من النسخ المتطابقة تماماً من الكتاب الواحد. ومنذ ذلك الوقت أصبح الورق أكثر أدوات الكتابة استعمالاً وانتشاراً في العالم إذ حل محل الجلود والرقوق منذ بداية القرن الخامس عشر، ورغم استمرار نسخ المخطوطات باليد لمدة قرن آخر من الزمان، إلا أن اختراع الطباعة قد أنهى عصر المخطوطات تماماً .

وكان أول عمل ضخم يصدر عن مطبعة جوتنبرج هو طبعة جميلة "للفولجاتا " اللاتينية وذلك في عام 1456 م، وقد عرفت فيما بعد" بطبعة جوتنبرج" ، وما زالت هناك سبع وأربعون نسخة فقط باقية منها. وبعد نحو نصف قرن تم طبع العهد الجديد باللغة اليونانية. والسبب الأول في هذا التأخير هو أن العلماء في ذلك العصر كانوا يهتمون بدراسة الكتاب المقدس باللغة اللاتينية أكثر مما باللغة اليونانية . أما السبب الثاني فهو مسألة التكلفة ومشاكل إعداد الحروف اليونانية للطباعة حسب الخط الذي كان شائعاً وقتئذ وهو الحروف الصغيرة المتصلة، والتي كانت تكتب فيها الحروف بأشكال متعددة.

وفي عام 1502 بدأ الإعداد لطبع الكتاب المقدس باللغة اليونانية تحت إشراف الكاردينال "أكسيمنس"( Ximenes ) أسقف أسبانيا، وأعده للطباعة مجموعة من العلماء، فطبع العهد الجديد باللاتينية واليونانية، وطبع العهد القديم بالعبرية والفولجاتا والترجمة السبعينية اليونانية في أعمدة متوازية. وقد تم هذا المشروع الضخم في مدينة "ألكالا"( Alcala أي "القلعة" المعروفة باللاتينية باسم كومبلوتم " Complutum ")، ومن ثم عرفت هذه الطبقة باسم "الكتاب المقدس الكومبلوتي متعدد اللغات ". وأكمل العهد الجديد في عام 1514 م ومجلدات العهد القديم في 1517م إلا أن البابا لم يمنح موافقته إلا في عام 1520م، ولكن لبعض الأسباب تأخر طبع الكتاب المقدس حتى عام 1522م.

وفي تلك الأثناء سمع "فروبن"(Froben ) السويسري صاحب إحدى المطابع، بمشروع الكاردينال الأسباني، فحث العالم "إرازمس" على أن يتولى الإشراف على طبع العهد الجديد باليونانية. وفي يوليو 1515م حصل إرازمس ـ على وجه السرعة ـ على بضع مخطوطات يونانية للعهد الجديد هي التي أمكنه الحصول عليها في مدينة بازل السويسرية، ولم يكن أي منها يحتوي على العهد الجديد كاملاً. كما أن المخطوطة الوحيدة التي كانت تحتوي على سفر الرؤيا كان ينقصها الآيات الست الأخيرة . كما أن النص الكتابي في تلك المخطوطة أختلط في بعض المواضع بتعليقات الآباء الهامشية، فاضطر إرازمس إلى ترجمة هذه الأجزاء إلى اليونانية نقلاً عن اللاتينية مما أدى إلى ظهور نص يوناني فيه بعض الفقرات التي لا تتفق مع أي مخطوطة يونانية معروفة . وقد نشرت هذه الطبعة المصحوبة بترجمة إرازمس اللاتينية (التي اختلفت في مواضع كثيرة عن الفولجاتا ) في مارس 1516م، وقد نتج عن العجلة في إنجاز هذا العمل ظهور الكثير من الأخطاء المطبعية فيها. وهكذا بينما كانت النسخة الكومبلوتينية قد أعدت لتكون أول كتاب يطبع للعهد الجديد باليونانية، سبقتها طبعة إرازمس فكانت أول عهد جديد باليونانية، أي أول كتاب يطرح في السوق مطبوعاً.

وقد نشر روبرت اشتين (الملقب باستفانوس ـ Roberty Estienne ) أربع طبعات للعهد الجديد فيما بين 1546 ـ 1551م. ولعل الطبعة الثالثة التي أشارت إلى قراءات مختلفة عن عدد من المخطوطات، كانت أول طبعة للعهد الجديد باليونانية تضم ما يشبه عملية النقد، وقد أصبحت هذه الطبعة الثالثة أكثر صور النص قبولاً وبخاصة في بريطانيا والولايات المتحدة . وفي الطبعة الرابعة أدخل استفانوس نظام ترقيم الآيات الذي ما زال معمولاً به حتى الآن .

أما تيودور بيزا ـ العالم البروتستنتي وخليفة جون كالفن في جنيف ـ فقد نشر تسع طبعات للعهد الجديد باليونانية فيما بين عامي 1565، 1604م، وقد ساعدت شهرة بيزا على انتشار النص المنقول عن إرازمس واستفانوس.

وقام أخوان من عائلة "إلزفير "(Elzeveir ) بنشر سبع طبعات للعهد الجديد باليونانية فيما بين 1624 ـ 1678م، مستهدفين أساساً الكسب التجاري. وقد جاء في مقدمة باللاتينية في الطبعة الثانية في 1633م تأكيد للقارئ :"النص الذي بين يديك الآن هو النص المقبول لدى الجميع" وأصبحت عبارة "النص المقبول" (Textum receptum ) شائعة الاستعمال وأطلقت على النص الذي نشره إرازمس. كما أصبحت طبعة "إلزفير" هي النص المقبول في أوربا، بينما أصبحت الطبعة الثالثة لاستفانوس هي النص المقبول في بريطانيا وأمريكا .

وقد توالت طبعات الكتاب المقدس وتحقيق النصوص بمقارنة مختلف المخطوطات. ولعل أشهر اسم في مجال تحقيق النصوص هو قسطنطين تشندروف (مكتشف المخطوطة السينائية في دير سانت كاترين ).

وقد وصلت نصوص العهد الجديد إلى القمة في الطبعة التي أصدرها في 1881/ 1882م عالمان من جامعة كامبردج هما "بروك فوس وستكوت" ( Brooke Foss Westcott ) و"فنتون جون أنتوني هورت"( Fenton John Antony Hort ) .

وتوالى ظهور مخطوطات للكتاب المقدس ترجع إلى عصور مختلفة ابتداء من القرن الثاني الميلادي، واستمرت مراجعة النصوص وتحقيقها على أسس النقد العلمية، وطبعها ونشرها وترجمتها إلى الغالبية العظمى من لغات العالم بل وإلى لهجاتها المختلفة.

 

خامساً: المخطوطات وتحقيق النصوص

قسَّم وستكوت وهورت المخطوطات إلى أربع مجموعات رئيسية، أو أربعة أنماط من النصوص، هي:

(1) النص السرياني وهو أحدثها : ويظهر في المخطوطات المتأخرة، ويمثل هذا النص نصاً تم تحقيقه في سوريا ( ومن هنا جاء الاسم ) في نحو القرن الرابع، ويتميز بتصويب القواعد النحوية وسلاسة العبارات وترابطها وإيضاح الغامض منها، والتجانس بين الفقرات المتناظرة، فهو بصفة عامة نص سلس واضح وسليم من الناحية اللاهوتية.

(2) النص الغربي : ويرجع هذا النص إلى القرن الثاني وقد اشتهر بإعادة صياغة العبارات مع بعض الإضافات في سفر الأعمال)، واستخدامه للمترادفات مع وجود الكثير من القراءات القصيرة الواضحة. ومن أهم مخطوطاته المخطوطات المرقومة بالرموز D ، D paul (05، 06 )، OL .

(3) النص السكندري : ظهر هذا النص في الاسكندرية، مركز الدراسات النقدية في الآداب اليونانية الكلاسيكية في ذلك العصر. وأهم مخطوطاته المخطوطات المرقومة بالرموز 33 ، L، C، والترجمات القبطية وبعض كتابات آباء الاسكندرية . ويعتقد وستكوت وهورت أن هذه المجموعة من المخطوطات لا تتميز باختلاف في المضمون أو الجوهر، لكنها تتميز بالتصويبات النحوية وتركيب الجمل لغوياً، مع خلوها من الأساليب المعقدة، وهو ما نتوقعه من البيئة العلمية التي كانت تتميز بها الاسكندرية في ذلك العصر .

(4) النص المحايد : وتمثله المخطوطات التي يرمز لها بحرف "ألف" العبري ( المخطوطة السينائية )، والمخطوطة >B< ، ويرى وستكوت وهورت أنه يمثل النص الأصلي بأقل التغييرات، كما يعتقد أن القراءات التي تتفق فيها هاتان المخطوطتان يندر أن يوجد من يرفضها أو يعترض عليها، وأن المخطوطة >B< ( المخطوطة الفاتيكانية ) تنفرد بالاحتفاظ بالنص الأصلي في أكثر المواضع.

ومنذ زمن وستكوت وهورت ظهر العديد من المخطوطات التي ثبت أنها على إتفاق كافٍ في نصوصها مما يمكن معه جمعها معاً كأحد أنماط النصوص (على الأقل في الأناجيل ). وتعرف هذه المجموعة بالنص القيصري (نسبة إلى قيصرية ) إذ يبدو أن أوريجانوس قد استخدمه إبان وجوده في قيصرية . وخصائص هذه المجموعة تضعها في منتصف الطريق بين النص السكندري والنص الغربي، وإن كانت أقرب كثيراً للنص الغربي .

سادساً : الخاتمة: إن الاختلافات الموجودة بين المخطوطات العديدة تعتبر من الناحية العملية تافهة ولا تأثير لها على المضمون إطلاقاً ، وبذلك يمكن أن نقول مع سير "فردريك كينيون "( Sir Fredrick Kenyon ) إن ما بين أيدينا هو النص السليم لكلمة اللـه الحقيقية .

 

http://www.earlham.edu/~seidti/iam/papyrus.html

والمجد لله دائما