علم التسلسل الزمني الكتابي الجزء الخامس والثلاثون إبراهيم وحمورابي ونظريات أزمنة ما قبل إبراهيم
د. غالي
25 يوليه 2025
عرض في يوليه 2026
في الجزء السابق تم توضيح أن زمن دخول شعب إسرائيل أرض مصر هو سنة 1656 ق.م. قبل الخروج بمقدار 210 سنة. وبهذا زمن ميلاد إسحاق هو 1846 ق.م. وزمن ميلاد إبراهيم هو ما بين 1946 ق.م إلى 1947 ق.م.
في سفر التكوين 14 يصف حرب خاضها إبراهيم مع كدرلعومر ومعه ثلاث ملوك أخرين "وَحَدَثَ فِي أَيَّامِ أَمْرَافَلَ مَلِكِ شِنْعَارَ، وَأَرْيُوكَ مَلِكِ أَلاَّسَارَ، وَكَدَرْلَعَوْمَرَ مَلِكِ عِيلاَمَ، وَتِدْعَالَ مَلِكِ جُويِيمَ،" (سفر التكوين 14: 1). رغم قلة الأدلة التاريخية التي تثبت هذه الحادثة ولكن يوجد أدلة لفظية تشرح وتشير أن هذه الحادثة حقيقية في التاريخ. أولا قال وليام فوكسويل البرايت عالم الأثار أن أسماء المدن التي ذكرت في تكوين 14 هي بالفعل أسماء مدن في عبر الأردن وأسماء قديمة يعود زمنها تقريبا إلى ألفي عام قبل الميلاد مثل شنعار والأسار وجوييم وسدوم وبرشاع وأدمه وصوبييم وبالع وقرنايم وهام وشوي قريتايم وعين مشفاط.1 أيضًا شرح بأدلة أن أسماء بعض الملوك مثل كدرلعومر. وبالفعل اسم كدرلعومر اسم عيلامي لأن كدر تعني بالعيلامي خادم ولعومر اسم إله عيلامي وله نقوش موجودة. فهذا الاسم أيضًا يدل على إنه اسم حقيقي.
وايضا وجد أدلة على أن أريوك ملك لارسا أو ملك الاسر هو من القرن التاسع عشر قبل الميلاد وأريوك من الأسماء البابلية القديمة مكتوب في بعض آثار حمورابي (لوحات ماري) وقيل إنه من أسماء حمورابي أو من قبله (حمورابي من القرن الثامن عشر قبل الميلاد). ووجد أن كلمة الاسار هو في حقيقتها كما كتبت في العبري ايل اسار اي إله المطهر وهو اسم من أسماء إله القمر البابلي وهو من ايري اكو إله القمر ملك لارسا اير ياو خادم إله القمر.2 وايضا أمرافال من امودالفيال الذي هو بناء على كلام H. B. Huffmon اسم أيضًا قديم أموري من هذا الزمان.3 وأكد هذه المعلومات أيضًا H Gunkel. وأكدوا أن بالحقيقة تكوين 14 بالإضافة إلى كونه إصحاح مهم روحيًا فهو بالحقيقة وثيقة تاريخية غاية في الأهمية تحكي أحداث لم يصل حتى الأن إلى العالم الحديث أي خلفية عنها رغم أهميتها في التاريخ إلا من خلال هذا الإصحاح وبدأ يثبت صحتها تدريجيًا.
وفي كتاب فالكس عن تعليقات حول الإنجيل الذي نشر سنة 1954م. يؤكد أن ما يوجد في هذا الإصحاح يمثل تعبير عن النصف الأول من الألفية الثانية قبل الميلاد ضاعت من التاريخ إلا في الكتاب المقدس رغم أنه ليس بكتاب تاريخي. وكتب في بحث لألبريت عن أسماء المدن التي ذكرت في عبر الأردن هي أسماء بالفعل حقيقية تاريخية تعود إلى ذلك الزمان اختفي بعضها قبل موسي بعدة قرون.4
فمن السابق الأسماء التي اكتشفت هي نفس الأسماء التي تكلم عنها سفر التكوين. فتخيلوا معي نحن نتكلم على بعض الأعداد ليس فقط قيمتها الروحية التي لا تقدر بثمن ولكن قيمتها التاريخية تماثل أهمية حجر رشيد وغيره. وصوره من أحد الالواح المكتشفة حديثا:
أما حمورابي فكما تم تقديمه في الفصل الأول بالفعل أن هناك اختلاف على حكمه حسب أنواع التقويم تصل إلى فروق 236 سنة. فالجدول التالي يقدم اختلاف تقييم عمر حمورابي حسب أنواع التقييم القديمة.
|
التسلسل الزمني |
عهد حمورابي |
± سنوات |
|
منخفض للغاية |
1696–1654 قبل الميلاد |
-96 |
|
قصير أو منخفض |
1728–1686 قبل الميلاد |
-64 |
|
متوسط منخفض |
1784–1742 قبل الميلاد |
-8 |
|
وسط |
1792–1750 قبل الميلاد |
+0 |
|
طويل أو مرتفع |
1848–1806 قبل الميلاد |
+56 |
|
طويل للغاية |
1890-1933 قبل الميلاد |
140+ |
.5
فيوجد اعمار مختلفة في تاريخ الملوك وكما تم ذكره في الفصل الأول أن في هذا الكتاب أساير التاريخ الأعلى High Chronology. وفيه حمورابي 1848–1806 ق.م. وهذا ذكر في عدة مراجع منهم أطلس حضارات الشرق الأدنى الذي يذكر هذا التاريخ ويقول High chronology يصبح الأن الأكثر شيوعًا. وصورة أطلس التالية:
Cultural Atlas of Mesopotamia and the Ancient near East.6
ومصادر عديدة مثل:
Hammurabi’s Babylon. 7
وأيضًا مرجع دراسة علم الفلك القديم والثقافي
A Survey of Ancient and Cultural Astronomy. 8
1st Dynasty Babylonian.9
Astronomical fine tuning of the chronology of the Hammurabi age.10
\
Timeline of Mesopotamian history.11
فلهذا بناء على التاريخ الأعلى High chronology يكون حمورابي حكم تقريبًا 1848 ق.م. في منتصف القرن 19 قبل الميلاد وفي بداية حكمه حدثت هذه الحرب. ولهذا يوجد إمكانية أن يكون حمورابي هو أمرفال الذي حاربه إبراهيم حسب ما ذكرت بعض المراجع تماشيًا مع High chronology وحسب ما ذكر دونالد ماكنزي أن تعريف حمورابي بأنه أمرفال أو Ibal-pi-el II هو أمر أصبح مقبول بطريقة عامة.12 والسبب هو تشابه ما تقوله لوحة ماري مع تكوين 14 والتي نصها:
“There is no king who is strong just by himself. Ten (to) fifteen kings are following Hammurabi the man of Babylon; so, too, Rim-Sin the man of Larsa; so, too, Ibal-pi-el the man of Eshnunna; so, too, Amut-pi-el the man of Qatna; (and) twenty kings are following Yarim-Lim the man of Yamhad.”13
"لا يوجد ملك قوي بمفرده. يتبع حمورابي، رجل بابل، من عشرة إلى خمسة عشر ملكًا؛ وكذلك ريم سين، رجل لارسا؛ وكذلك إيبال بي إيل، رجل إشنونة؛ وكذلك أموت بي إيل، رجل قطنا؛ ويتبعه عشرون ملكًا ياريم ليم، رجل يمحاض."
ولهذا أيضًا كل من الموسوعة الكاثولية ذكرت أن أمرفال هو حامورابي.14 وأيضًا مثلها الموسوعة اليهودية.15 وأيضًا بحث ستيفاني دالي من كامبريدج التي ذكرت إنه هو حمورابي مع توضيح خطأ نطق بعض الحروف في ماري.16 وبهذا تكون معركة السديم الكتابية في تكوين 14 هي تقريبًا ما بين 1848 إلى 1847 ق.م. هذا سواء من داخل الكتاب المقدس من حسابات زمن الخروج الموثقة أو من خارج الكتاب المقدس مثل زمن حمورابي وغيره من الأدلة الأثرية. وهذا قبل ميلاد إسحاق الذي ولد سنة 1846 ق.م.
أزمنة ما قبل إبراهيم أو الأزمنة الأولى أو التاريخ البدائي للبشرية من الخليقة إلي إبراهيم هي كما قدمت يدور حولها خلافات: يُعتمد تحديد التواريخ في الحقبة من بدء الخليقة حتى إبراهيم، على سلسلتين من الأنساب هما تكوين 5، وتكوين 11: 10-26، ويفصل بينهما طوفان نوح. ولا يوجد اتفاق بين الباحثين على هذه الفترات الزمنية. كما أنه ليس هناك سبب أو حاجة تدعو إلى التشدد في هذا الأمر. فلا يرفض ما يقوله باحث بالكامل فقط لأنه يقول عمر قديم يخالف باحث أخر. أي لا تصلح المغالطة المنطقة ما لا يأخذ كله يرفض كله. وما سيقدمه هذا الكتاب هو بناء على قناعات شخصية للكاتب نتجت عن دراسة سنوات طويلة في مجالات علمية تتعلق بهذه التواريخ مثل دراسات في علم الجينات كميتوكوندريا حواء وكروموزوم Y آدم ودراسات في تاريخ أساليب تحديد أعمار الطبقات وفي تاريخ أساليب تحديد عمر الأرض وغيرها. وقد أدي تعاقب الأسماء والأعمار المسجلة في هاتين القائمتين من الأسماء، إلى نشوء عدة نظريات:
التفسير التاريخي: والذي نجده يتوافق مع أقوال الآباء وكان أشر (Ussher) رئيس الأساقفة أفضل دعاته الحداثى (توفي عام 1656م.)، والذي قال إن العالم خلق سنة 4004 ق.م. وعلى أساس حساباته وضعت التواريخ التي حددها في حاشية بعض ترجمات الكتاب المقدس. وهذه النظرية تأخذ التواريخ المذكورة لمولد وممات الآباء كما هي، وبإضافة إلى الفارق الزمني بين مولد كل واحد من الآباء ومولد من يليه، مجموعاً إلي عمر آدم عند مولد شيث، يكون المجموع الكلي 1656 عاماً من الخليقة إلى الطوفان (مع وجود متغير وهو عمر قينان)، و290 عاماً من الطوفان إلى مولد إبراهيم، وذلك بناء على ما جاء في التوراة العبرية (الماسورية).
ولكن من يتماشوا مع فرضية الحقب والتطور يظنوا أن هذا الحساب لا يتسع للنظريات المعروفة عن عمر الأرض، ولا عن عمر الإنسان على الأرض، ولا عن التواريخ التي يظنوا أنها ثابتة. بل كما تم شرحه عن عمر الحضارة المصرية في تاريخ مصر، وهو بالتحديد بداية التقويم الشعراني (على أساس ظهور نجم الشعري اليمانية) هو 4241 ق.م.، أي أنه يسبق التاريخ الذي حدده "أشر" لخلق العالم بأكثر من مائتي عام. ولكن هذا عن الحضارة المصرية التي بعد الطوفان. وهذه تم شرحها في الأجزاء السابقة وتوضيح خطأها. ولكن بسبب انتشار هذا الفكر لهذا المفسرون الحداثى رأوا أن هذه الصعوبة، كما يتضح من الاختلافات في الأرقام بين نصوص العهد القديم بين النص العبري مع السامرية والسبعينية، حيث تضيف السبعينية نحو ألف وخمسمائة عام، كما تضع اسماً آخر جديداً في القائمة المذكورة في الإصحاح الحادي عشر من سفر التكوين وهو قينان. ومن الملاحظات المثيرة على الطريقة التاريخية في حساب الأزمنة، أنها تجعل نوحاً أو سام يعيش زمن أو قرب زمن إبراهيم. وأن آدم وأخنوخ ومتوشالح ولامك عاصروا بعضهم البعض. وأن حياة متوشالح المديدة انتهت في السنة التي بدأ فيها الطوفان.
نظرية الأسر: وتزعم أن الأرقام الكبيرة لأعمار الآباء الأولين، إنما تشير إلى المدد التي سادت فيها أسرة كل منهم، فمثلاً رقم 930 عاماً لآدم، هو لأسرة آدم. أعقبه 912 عاماً لأثرة شيث، وهكذا تتجمع هذه الأرقام لتغطي آلاف السنين. إلا أن هناك اعتراضات قوية على هذه النظرية، فهي لا تعلل للنشأة الثابتة لكل أسرة تالية، على أقرب ما يكون من سابقتها، كما أنها تتجاهل الخطة الواضحة للوحي في أنه يستعرض تسلسل الجنس البشري من خلال أفراد وليس عائلات وأيضًا ليس من خلال حقب أو إمبراطوريات.
نظرية الوحدات الزمنية المختلفة: يزعم البعض أن وحدات الزمن في العصور القديمة للإنسان كانت تختلف عنها الآن، بل ويفترض البعض أن وحدة الزمن كانت أصلاً هي دورة القمر أي ما يقال إنه سنة هو شهر قمري. وبذلك تكون حياة متوشالح 969 دورة قمرية، أي 969 شهراً، أو ما يزيد قليلاًَ عن ثمانين عاماً بحسابنا الآن. ثم حدث في أيام إبراهيم أن أصبحت السنة تقاس من الاعتدال الربيعي إلي الاعتدال الخريفي أي نحو نصف العام. ويقولوا من المحتمل أن تكون الاختلافات في الترجمة السبعينة قد بنيت على هذه الفكرة حيث أضافت إلي العمر الذي ولد فيه الإبن البكر 162 عاماً على الأقل إلي عمر الآب في كل أجيال ما قبل الطوفان. ولكن هذه النظرية لم تقدم دليل يثبتها ولم تحل كل الصعاب والمشاكل، كما أنه ليس أدني إشارة في الكتاب إلى الوقت الذي يفترضوا أنه حدثت فيه هذه التغييرات الجذرية في وحدة الزمن، بل على العكس، نجد أن النقصان في عمر الإنسان قد حدث تدريجياً وليس بطريقة مفاجئة حادة. أيضًا تحديد فترة الطوفان بالسنة والشهر واليوم من القديم هذا ينفي هذه النظرية تمامًا.
نظرية الأسماء المحذوفة: أراد البعض الآخر مواجهة هذه المشكلات باقتراح أن بعض حلقات السلسلة قد حذفت، وذلك قياساً على عادة اليهود في حذف الأسماء التي لا أهمية لها من قائمة الأنساب. ومثال ذلك ما فعله متي البشير من حذف بعض الأسماء من سلسلة نسب المسيح للحفاظ علي جعل كل فترة تتكون من أربعة عشر جيلاً (متى 1: 8). ومما يؤيد ذلك أن الترجمة السبعينية تضيف اسم "قينان" بين أرفكشاد وشالح (تك 11: 12، انظر أيضاً لو 3: 36). ولكن ما ينفي هذه النظرية أن قوائم النسب ذكرت في أكثر من موضوع متطابقين وبخاصة قائمة لوقا البشير 3 التي لم تحذف أي أسم مقارنة بمتى البشير 1 لم تذكر هذه الأسماء المحذوفة ولم تشير إليها.
ملاحظة هذه النظريات تختلف عن نظريات محاولة تفسير معنى أيام الخليقة الست. وهذه سيتم شرحها في الأجزاء التالية. وسنكمل في الجزء التالي زمن الطوفان.
1. William F. Albright, “From the Patriarchs to Moses: From Abraham to Joseph,” The Biblical Archaeologist, Vol. 36, No. 1 (Feb. 1973), 5-33.
2. Gleason L. Archer, Encyclopedia of Bible Difficulties, (Zondervan, 1982), k.
3. H. B. Huffmon, The Quest for the Kingdom of God, (Eisenbrauns, 1983).
4. William Foxwell Albright, From the Stone Age to Christianity: Monotheism and the Historical Process, 2nd ed. (Baltimore: Johns Hopkins University Press, 1957), 200-206.
5. J. Kugel, How to Read the Bible: A Guide to Scripture, Then and Now, (New York: Free Press, 2007), 270.
6. Michael Roaf, Cultural Atlas of Mesopotamia and the Ancient near East, (Oxford: Andromeda Oxford Limited, 2008), 123.
7. Sanderson Beck, Hammurabi’s Babylon, September 7, 2018.
8. Exploring Ancient Skies: A Survey of Ancient and Cultural Astronomy, 225.
9 Looklex encyclopaedia: 1st Dynasty Babylonian.
10. de Jong, T. Astronomical fine tuning of the chronology of the Hammurabi age. Jaarbericht van het Vooraziatisch Egyptisch Genootschap "Ex Oriente Lux", (2013), 44, 147-167. https://www.academia.edu/5453019/Astronomical_Finetuning_
of_the_Chronology_of_the_Hammurabi_Age_2013_
11 https://tok.fandom.com/wiki/Timeline_of_Mesopotamian_history.
12. Donald Mackenzie, “The Golden Age of Babylonia”, Myths of Babylonia and Assyria, 1915, 247.
13. Roaf, Cultural Atlas of Mesopotamia and the Ancient near East, 111.
14. Gabriel Oussani, Catholic Encyclopedia, S.V. "Amraphel", ed. Herbermann, Charles, (New York: Robert Appleton Company, 1907).
15. Robert W. Rogers, Kaufmann Kohler and Marcus Jastrow, Jewish Encyclopedia, S.V. "Amraphel", https://jewishencyclopedia.com/articles/1440-amraphel
16. Stephanie Dalley, The City of Babylon: A History, c. 2000 BC – AD 116, (Cambridge: Cambridge University Press, 2021), 319–321.